0
عدد المشاهدات:
آداب المسافر من أول نهوضه إلى آخر رجوعه

الأدب الأول : أن يبدأ برد المظالم وقضاء الديون وإعداد النفقة لمن تلزمه نفقته ، وبرد الودائع إن كانت عنده ، ولا يأخذ لزاده إلا الحلال الطيب ، وليأخذ قدرا يوسع به على رفقائه . ولا بد في السفر من طيب الكلام ، وإطعام الطعام ، ومن إظهار مكارم الأخلاق ، والسفر من أسباب الضجر ، ومنأحسن خلقه في الضجر فهو الحسن الخلق ، وتمام حسن خلق المسافر بالإحسان إلى المكاري ، ومعاونة الرفقة بكل ممكن ، وإعانة المنقطع بمركوب أو زاد ، وتمام ذلك مع الرفقاء بمزاح ومطايبة في بعض الأوقات من غير فحش ومعصية ليكون ذلك شفاء لضجر السفر ومشاقه . 

الثاني : أن يختار رفيقا فلا يخرج وحده ، فالرفيق ثم الطريق ، وليكن رفيقه ممن يعينه على الدين فيذكره إذا نسي ويعينه ويساعده إذا ذكر ، فإن المرء على دين خليله ، ولا يعرف الرجل إلا برفيقه ، وقد نهى رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن يسافر الرجل وحده وقال : " إذا كنتم ثلاثة في السفر فأمروا أحدكم " وليؤمروا أحسنهم أخلاقا وأرفقهم بالأصحاب وأسرعهم إلى الإيثار وطلب الموافقة وإنما يحتاج إلى الأمير لأن الآراء تختلف في مصالح السفر ، ولا نظام إلا في الوحدة ولا فساد إلا من الكثرة ، وإنما انتظم أمر العالم لأن مدبر الكل واحد و ( لو كان فيهما آلهة إلا الله لفسدتا ) [ الأنبياء : 22 ] . 

الثالث : أن يودع رفقاء الحضر والأهل والأصدقاء ، وليدع عند الوداع بقوله لمودعه : " أستودع الله دينك وأمانتك وخواتيم عملك وليدع المقيم له بقوله : " زودك الله التقوى وغفر ذنبك ووجهك للخير حيث توجهت " . وليصل المسافر قبل سفره ركعتين صلاة الاستخارة وإذا حصل على باب الدار فليقل : " بسم الله توكلت على الله لا حول ولا قوة إلا بالله ، رب أعوذ بك أن أضل أو أضل أو أزل أو أزل أو أظلم أو أظلم أو أجهل أو يجهل علي فإذا ركب فليقل : ( سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين وإنا إلى ربنا لمنقلبون ) [ الزخرف : 13 و 14 ] . 

الرابع : أن يرفق بالدابة إن كان راكبا فلا يحملها ما لا تطيق ولا يضربها في وجهها فإنه منهي عنه ، ويستحب أن ينزل عن الدابة أحيانا يروحها بذلك ويدخل السرور على المكاري ويروض بدنه حذرا من خدر الأعضاء بطول الركوب ، وليحذر أن يحمل فوق المشروط شيئا وإن خف ، فإن القليل يجر إلى الكثير ، قال رجل " لابن المبارك وهو على دابة " : احمل لي هذه الرقعة إلى فلان " فقال : " حتى أستأذن المكاري فإني لم أشارطه على هذه الرقعة " فانظر كيف لم يلتفت إلى قول الفقهاء : " إن هذا مما يتسامح فيه " ولكن سلك طريق الورع . 

الخامس : أن يحتاط إن كان في قافلة فلا يمشي منفردا لأنه ربما يغتال أو ينقطع ، ويكون بالليل متحفظا عند النوم ، وينبغي أن يتناوب الرفقاء في الحراسة بالليل ، وأن يستصحب مرآة ومقراضا ومسواكا ومشطا . وليحذر التنطع في الطهارة ، فقد كان الأولون يكتفون بالتيمم ويغنون أنفسهم عن نقل الماء ولا يبالون بالوضوء من الغدران ومن المياه كلها ما لم يتيقنوا نجاستها ، حتى توضأ " عمر " رضي الله عنه من ماء في جرة نصرانية . 

السادس : في آداب الرجوع من السفر كان النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قفل من غزو أو حج أو عمرة يكبر على كل شرف من الأرض ثلاث تكبيرات ويقول : " لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير ، آيبون تائبون عابدون ساجدون لربنا حامدون ، صدق الله وعده ونصر عبده وهزم الأحزاب وحده ، ثم يرسل إلى المدينة من يبشر بقدومه . وكان - صلى الله عليه وسلم - ينهى أن يطرق المرء أهله ليلا فيقدم عليهم بغتة فيرى ما يكرهه . وكان - صلى الله عليه وسلم - إذا قدم دخل المسجد أولا وصلى ركعتين ثم دخل البيت . وينبغي أن يحمل لأهل بيته وأقاربه تحفة من مطعوم أو غيره على قدر إمكانه ، فإن الأعين تمتد إلى القادم من السفر ، والقلوب تفرح به فيتأكد الاستحباب في تأكيد فرحهم وإظهار التفات القلب في السفر إلى ذكرهم بما يستصحب في الطريق لهم . 

 هذه جملة من الآداب الظاهرة ، وأما الآداب الباطنة : ففي الفصل الأول بيان جملة منها ، وجملته أن لا يسافر إلا إذا كان زيادة في علمه في السفر ، وينوي في دخول كل بلدة أن يرى شيوخها الحكماء ويجتهد أن يستفيد من كل واحد أدبا أو كلمة لينتفع بها وينفع بها . وإذا قصد زيارة أخ له فلا يقم عنده أكثر من ثلاثة أيام ، فذلك حد الضيافة إلا إذا شق على أخيه مفارقته ، ولا يشغل نفسه بما لا فائدة فيه فإن ذلك يقطع بركة سفره . 
اضف تعليقك

إرسال تعليق

 
Top