0
عدد المشاهدات:

مقدمات فى إعجاز القرآن

أ.د/ محمد محمد أبو موسى

مقدمات فى إعجاز القرآن

ليس لعلم الإعجاز عندنا نظير فى علوم الأمم؛ لأن الله سبحانه وتعالى لم ينزل كتابًا معجزًا للبشر على نبىّ من أنبيائه إلا القرآن على سيدنا محمد. وقد وقف ابن خلدون عند هذا الشأن وقال: إن التوراة كلام الله، والإنجيل كلام الله، والقرآن كلام الله، فلماذا كان القرآن من بينها معجزا ببيانه؟ !
وأجاب ابن خلدون عن هذا: بأن العربية التى نزل بها القرآن كانت قد تهيأت منذ الزمان الموغل فى القدم لأن ينزل بها كلام معجزٌ ببلاغته. فالعربية تعبر عن المعانى بوسائل وطرائق ليست لغيرها؛ وذلك لأن أحوال الألفاظ طاقات تعبيرية وكأنها ألفاظ، فالتنكير له معان، والتعريف له معانٍ، وكل أحوال المبانى هى طاقات تحمل خفايا المعانى، حتى الحذف ــ الذى هو افتقاد اللغة ــ له قدرة على الدلالة هى أحيانًا أظهر وأبين من الذكر، حتى إنهم قالوا: «تراك أنطق ما تكون إذا لم تنطق، وأتم ما تكون بيانًا إذا لم تبن».
هذا ملخص كلام ابن خلدون وليس بلفظه. وترتب على نزول القرآن المعجز بها أن القرآن الكريم أمسك بهذه العربية، وأبقاها على حالتها التى كانت عليها زَمَنَ نزوله، فلم يتغير منها شىءٌ لا فى معانى مفرداتها، ولا فى طرائق الاشتقاق، ولا فى تصريف الأفعال والأسماء، ولا فى نظامها الإعرابىّ، فالمرفوع زمن النزول هو مرفوع فى زماننا، وسيظل كذلك ما دام القرآن متلوًا فى هذه الأمة، وهذا واضح. أما التغيرات التى طرأت وتطرأ على الأساليب، حتى إنها لتختلف من زمن إلى زمن، ومن بيئة إلى بيئة أخرى، فهذا راجع إلى تغيير الطباع وتغيير البقاع، حتى إنك لترى اختلافًا بين كلام الرجلين وهما أبناء أب واحد، وترى اختلاف كلامنا عن كلام الجيل الذى قبلنا، فضلاً عن الأجيال الأبعد، ومع كل هذا الاختلاف فإن الاتفاق على معانى الكلمات، وطرائق الاشتقاق، وأصوات الحروف، والنظام الإعرابىّ، كل ذلك متفق عليه.
والعربية فى هذا التفرد لا تختلف عن لغة التوراة والإنجيل فحسب، وإنما تختلف عن اللغات جميعًا، فليس هناك أمة تقرأ وتكتب بلغة عمرها أكثر بكثير من خمسة عشر قرنًا، ولا تجد صعوبة إلا فى تعريف الكلمات الغريبة.
ويترتب على إمساك القرآن للغة على الحالة التى كانت عليها زَمَنَ النزول، القول بأن هذا ما كان يمكن أن يكون إلا إذا كانت اللغة قد بلغت ذروة الترقى اللغوى، ولم تعد هناك مراحل من الترقى اللغوى تستشرف اللغة إليها. ومعلوم أن اللغة تنزع دائمًا إلى تجاوز مرحلة بعد مرحلة، حتى تكون أصفى وأقدر وأطوع، ولا يمكن لقوة كائنة ما كانت أن تمسك لغة عن النزوع إلى المرحلة الأفضل إلا فى حالة واحدة، وهى أن تكون قد توفرت لها هذه المرحلة الأفضل. ويلاحظ أن القرآن هو آخر كتب الله، وهو الدين الخاتم، فلم يكن من الممكن أن تصير لغته حقبة تاريخية تنفصل عن أى زمن، كما حدث فى لغات كتب الله الأخرى؛ لأن كل دين وكتاب كان ينسخ ما قبله، فلا ضرر من نسخ اللغة أيضًا، أما القرآن فله شأن آخر.
ويلاحظ أيضًا أن أصوات حروف اللغة، هى أول ما ينفذ منه التغيير للغة، وتعجب حين تدرك أن تلاوة القرآن ضابط حاسمٌ فى المحافظة على أصوات العربية، وكأن علم التجويد هو الحارس الرائع لهذا اللسان الشريف. ولو راجعت قصار السور ابتداء من المعوذتين، التى يحاول أولادنا حفظها وهم فى سن الرابعة، وتأملت هذه القصار من زاوية تسكين أصوات العربية فى مخارجها عند الجيل الجديد، لوجدت شيئًا لا يمكن أن ينكر. وهل يستطيع أحدٌ أن ينكر أن سورة الناس تكرر حرف السين، وتعدد نطقه فى مواقعه المختلفة وتسكنه وتمكنه؟! وأن سورة الفلق تؤكد صوت القاف وتكرره؟! ثم تنحو السور شيئًا فشيئًا ويتنوع النغم والصوت، وضوابط الفواصل، وكيف تجد أحوالاً تعين على الحفظ؟ إلى آخر ما فى هذا الباب الذى هو بلا ريب حياطة قرآنية لهذا اللسان، وتدريب خفيف سهلٌ رهوٌ لأجيال أمة القرآن على حفظ هذه العربية الشريفة. وهذا معنى من معانى قوله تعالى":    يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِير" (لحجرات13: )
وبهذا الدستور صارت الأخوة الإنسانية، هى الرباط الجامع بين نوعى الإنسان الرجل والمرأة والشعوب والدول فى نطاق التقسيم السياسى والجغرافى العالمى وبغض النظر عن نوع الاختلاف ومداه، فإن ذلك لا يؤثر على الحقيقة القرآنية المجسدة لحقائق الاجتماع الإنسانى، وما دام الأمر كذلك فإن التعايش والتفاهم والتقارب يجب أن يكون غاية الجميع، لما فيه الخير والمصلحة، فى إطار التعددية الإنسانية، والخصوصية الثقافية والهوية المميزة لكل جماعة إنسانية.
الاختلاف والتعددية حقيقة كونية وناموس اجتماعى تعترف به مبادئ الإسلام نفسه، التى هى حاكمة لأى اجتهاد وملزمة له، نسوق منها قوله تعالى:
  "وَلَقَدْ يَسَّرْنَا الْقُرْآنَ لِلذِّكْرِ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِر" (القمر:17)
ومن الأشياء التى لا أعرف لها تفسيرًا أن بعض المسلمين الذين لا يعرفون العربية يقرءون القرآن، ويتلونه حق تلاوته، ومنهم من يحفظه أو يحفظ كثيرًا منه!
المقدمة الثانية من مقدمات الإعجاز هى:
أن الحق ــ جل وتقدس ــ أخبرنا بعجزنا عن أن نأتى بمثله أو بسورة من مثله، وهذا العجز مطبقٌ على كل من يخاطبون بالقرآن، وهم الناس كافة فى الأجيال كلها، والأجناس كلها، والأزمنة كلها، والأمكنة كلها، قال سبحانه:" وَإِنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِمَّا نَزَّلْنَا عَلَى عَبْدِنَا فَأْتُوا بِسُورَةٍ مِنْ مِثْلِهِ وَادْعُوا شُهَدَاءَكُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (23) فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا فَاتَّقُوا النَّارَ الَّتِي وَقُودُهَا النَّاسُ وَالْحِجَارَةُ أُعِدَّتْ لِلْكَافِرِينَ" (البقرة:23، 24)
وموضع الشاهد قوله:"وَلَنْ تَفْعَلُوا" فهذا خبر قاطعٌ بالعجز، وشامل لكل من بعث  إليهم وهم الناس كافة، وإعجازه باقٍ إلى يوم أن ينفخ فى الصور كيوم نزوله.
ولا يجوز لمسلم أن يتردد فى عجز الأجيال كلها، والأجناس كلها، فى الأزمنة كلها، والأمكنة كلها عن أن تأتى بسورة من مثله؛ لأن هذا خبر من لا إخلاف فى خبره سبحانه وتعالى.
أما وجه هذا الإعجاز فقد فتح باب الرأى فيه، ولا حرج فى الخلاف فيه، وأيضًا لا حرج علينا فى الخطأ فى بيان وجه الإعجاز، ما دمنا قصدنا إلى الصواب وبذلنا ما يجب بذله ثم فاتنا الصواب. وقد ذهب العلماء مذاهب شتى فى بيان وجه الإعجاز، وأرجو أن يعيننا ربنا على الوقوف عندها والتعريف بها، وأكتفى هنا بالإشارة إلى أن القرآن الكريم أشار إلى أن ما فيه من الأخبار عن الأمم الماضية من وجوه إعجازه، وتكرر ذلك فى مواطن كثيرة، كقوله تعالى فى آخر قصة نوح: "تِلْكَ مِنْ أَنْبَاءِ الْغَيْبِ نُوحِيهَا إِلَيْكَ مَا كُنْتَ تَعْلَمُهَا أَنْتَ وَلَا قَوْمُكَ مِنْ قَبْلِ هَذَا"  (هود:49)
وكقوله تعالى فى أعقاب قصة مريم عليها السلام:
    "وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يُلْقُونَ أَقْلَامَهُمْ أَيُّهُمْ يَكْفُلُ مَرْيَمَ وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ يَخْتَصِمُون"
)آل عمران: (44
وكقوله سبحانه فى أعقاب قصة يوسف:
"وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ إِذْ أَجْمَعُوا أَمْرَهُمْ وَهُمْ يَمْكُرُون "
(يوسف (102:
وكقوله سبحانه فى قصة موسى  :
"وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنَا إِلَى مُوسَى الْأَمْر"
(القصص: 44).
والذى أفهمه من قوله تعالى:  "وَمَا كُنْتَ لَدَيْهِمْ" ومن قوله سبحانه:  "وَمَا كُنْتَ بِجَانِبِ الْغَرْبِيِّ" أن الذى جاء به القرآن فى هذه الأخبار مما لا يعلمه إلا من عاشها، وليس الذى قرأها فى كتب التاريخ؛ لأن رواية القرآن فيها من الدقائق والخفايا ما لا يستوعبه كلام المؤرخ، وإنما يعقله من كان لديهم أو من كان بجانب الغربى، وبيان ذلك له مقام آخر تراجع فيه دقائق هذه الأخبار. وهناك حقيقة لا يجوز أن تغيب عنا ونحن نتكلم فى الإعجاز، وهى أن الإعجاز أمرٌ إلهىّ لا يدخل فى طوق البشر، وأن هذا الأمر الإلهىّ قليله مثل كثيره، فسوق السحاب كخلق السماوات والأرض وما بينهما، ونفخ الروح فى خلقٍ صغير كأصغر طائر كخلق الناس أجمعين، وقد نبهنا ربنا إلى هذا لمّا قال:  "فَأْتُوا بِسُورَة" (البقرة:23) وأصغر سورة هى سورة "إِنَّا أَعْطَيْنَاكَ الْكَوْثَر" (الكوثر:1) والعجز عنها كالعجز عن القرآن كله.
قلت إن معرفة وجه الإعجاز متروكة للاجتهاد، وهذا من إكرام الله لنا ولعقولنا؛ لأن هذا فتح أبوابًا من العلم لم تستقص بعد، وحسبك أن تعلم أن علم «دلائل الإعجاز» الذى هو علم البلاغة، ليس إلا فرعًا صغيرًا من فروع هذه الدوحة؛ لأن علم «دلائل الإعجاز» هو بيانٌ لوجهٍ واحد من وجوه الإعجاز التى تعددت وتكاثرت، وعجيبٌ أيضًا أن تجد هذا العلم الذى هو خاصّ بنا مع تغازره وسداده وسعته، مهملٌ فى جامعاتنا حتى فى الأزهر.
وكانت غيبة وجوه الإعجاز فتحًا لأبواب من الاجتهاد والنظر والاستنباط، أثمرت فكرًا خصبًا جدًا، وأنتجت علومًا من أظهرها «علم المعانى» الذى كتب تحت عنوان «دلائل الإعجاز».
ومن العلوم التى أنتجها هذا الباب علوم بدا وجهها، وبقيت بقيتها مخبوءةً لم تحركها عقول اللاحقين، كعلم «البلاغة الخاصة بالقرآن» الذى كشف وجهه حمد بن سليمان الخطابىّ القرشىّ، ثم غلب عليه علم «البلاغة» الشامل للقرآن وغيره، وهو جدير بأن يتسع جدًا، وإن كان اتساعه شاقًا إلا على أهله؛ لأنه لا يرجع إلى المراجعة فى الكتب، وإنما يرجع إلى الاستنباط والاستخراج من بيان الناس وبيان الكتاب العزيز، ونرجو أن نصل إلى بيان ذلك. وقد كان الباقلانىّ قريبًا من الخطابىّ فى زمانه، ونزع نحو علم آخر جديد وفتح بابه، ولم يتمه اللاحقون، وهو علم لا تمام له إلا بالمراجعة فى الكتاب على الطريقة التى هدى إليها الباقلانىّ فى خطواته القصيرة. وهذان العلمان، علم الخطابىّ وعلم الباقلانىّ لو اكتملا لكانا من أبرّ علومنا بكتاب الله، وأدخلها فى الأمر الإلهىّ الذى بنى عليه بيانه، وبنى عليه إعجازه.
ثم إن الذين بحثوا عن وجوه الإعجاز من غير الطريق الذى سلكه الخطابىّ والباقلانىّ، دخلوا فى معمعات من البحث والنظر، وقدموا لنا كثيرًا من المعرفة الحية والعلم الحىّ بالكتاب العزيز؛ لأنهم نفضوا العناصر المكونة للكتاب العزيز عنصرًا عنصرًا، وأفردوه وعزلوه عن غيره، وطرحوا سؤالاً: هل نرى فى هذا العنصر أمرًا إلهيًا يقهر ويقطع؟
وهذا مسلكٌ فذ جدًا كما فعل عبد القاهر فى تجريد المفردات، وتفكيك روابطها، والرجوع بها إلى الدلالة المعجمية، ثم سأل: هل نرى فيها شيئًا يدخل فى صنعة الشاعر الذى صنع منها شعره؟ وهو بالطبع يريد قياس القرآن على ذلك، وأنك لو خلعت مفردات سورة الفاتحة وعزلت بعضها عن بعض وقلت: العالمين، رب، إياك، الحمد، نعبد، إلى آخره لم تقل حرفًا واحدًا من سورة الفاتحة؛ لأن هذه المفردات إذا لم ينسق بعضها ببعض، ويجعل بعضها بسبب من بعض لا تفيد شيئًا، وما دام الأمر كذلك فليس فى هذه المنطقة وجهٌ من وجوه الإعجاز. وهكذا يجرد النحو الذى هو وجه من وجوه ارتباط الكلم بعضها ببعض ويسأل: هل رفع الفاعل ونصب المفعول يختلف من كلام إلى كلام؟ وينتهى إلى أن النحو قائمٌ فى الكلام كله على الصحة والتمام وكما ينبغى، وأنه لا يختلف نحوٌ فى الكلام الجيد عن نحوٍ فى الكلام الأجود، واتسع الكلام فى هذا حتى اكتفى المتأخرون بتحصيله، وتباطؤوا فى السير فى طريق استخراج مثله، ولو رجعنا نحن إلى السير على طريق استخراجه مع التدقيق فى تحصيله لكان لنا منه خيرٌ كثير، فضلاً عن أنه طريق بالغ الفائدة من طرق تجديد العلوم، وبناء المعرفة، وإضافة لبنات إليها.
والذى يقتضيه حال الأمة الآن هو عرض وجوه الإعجاز فى الأمر والنهى فى الكتاب العزيز، وبيان أن ما أمرنا الله به يوم نزل الكتاب هو أبرّ البرّ بالناس كافة المؤمن والكافر، وما نهانا الله عنه هو الشر كل الشر للناس كافة، وهذا يوجب تأليف كتاب عنوانه: «هذا ديننا» وهى كلمة المرحوم محمد الغزالىّ، وكان يكتب تحتها فى عمود صغير، فى صحيفة يومية، قبسة من قبسات الضياء من دين الله، والقرآن كلام الله، والله سبحانه وتعالى موصوف بكل كمال، ومنزهٌ عن كل نقص، وكذلك كلامه. وكما أن خزائن الله يؤخذ منها ما يؤخذ ثم لا ينقصها الأخذ شيئًا، فكذلك كتاب الله يؤخذ منه ما يؤخذ، ثم يعود إلى ربه يوم القيامة بكرًا وكأنه لم يؤخذ منه شىءٌ. وفتح الله لنا باب النظر فيه، وجعل ذلك من أقرب القربات، وجعله من الحكمة التى يؤتيها سبحانه من يشاء، ومن يؤت الحكمة فقد أوتى خيرًا كثيرًا، وهذا حسبى فى هذه المقدمة الثانية.
وأنتقل إلى المقدمة الثالثة وهى: دلالة الإعجاز البيانىّ للكتاب العزيز على حال الجيل الذى نزل فيه القرآن. وقد أجمعت الأمة أنه بلغ مرتبة الكمال الإنسانىّ فى أمرين: الأمر الأول هو القدرة على الإبانة عن المعانى التى فى الصدور. الأمر الثانى هو القدرة على معرفة طبقات البيان، وجيده وأجوده، والأسرار المفضية إلى الجيد والأجود. وأكرر أن الأمة أجمعت على أنه لم يأت جيل بعد هذا الجيل ينازعه فى أحد هذين الأمرين ولن يأتى، وسأختصر بيان ذلك. وقبل أن أختصر الكلام فى ذلك أشير إلى أن ما يكتب عن العصر الجاهلىّ فى أدبه ونقده الآن ومنذ زمن الاستعمار، هو عكس هذا الذى أجمعت عليه الأمة، فأدبه ساذج وحسىّ، ونقده ساذج وانطباعىّ إلى آخره؛ لأن الكتاب لم يستمدوا معرفتهم من تاريخ وتراث الأمة، وإنما استمدوا معلوماتهم من الغرباء على هذا التاريخ وهذا التراث. وخطر هذا هو أنه يفضى إلى أن الجيل الذى سمع ما يتلوه عليه السلام عليهم وأيقنوا أنه كلام الله، لم يكونوا على الحق فى هذا اليقين، وإنما هم سذجٌ وسمعوا كلامًا مصقولاً فحسبوه معجزًا. وقد كتب هذا أحد شيوخ الاستشراق فى مقدمة طبعه لرسائل أبى العلاء.
وأكتفى بهذه الإشارة وأعود إلى الجد النافع وأقول: أشهر ما قيل فى بلوغ هذا الجيل مرتبة الكمال الإنسانىّ فى الإبانة عن المعانى، هو أنه من سنن الله سبحانه أنه جعل آية كل نبىّ فى الباب الذى نبغ فيه قومه، وكانت معجزته  لأن هذا الباب هو الذى نبغ فيه قومه، فجاءهم بما يعجزهم فى الذى نبغوا فيه. وقد ترى أن هذا ليس على عمومه، فقد كانت معجزة صالح _ خروج ناقته من الصخرة، وليس لهم فى هذا شىءٌ، وكانت معجزة عيسى _ فى أنه يخلق من الطين كهيئة الطير فينفخ فيه فيكون طيرًا بإذن الله، وليس هذا من شأن من بعث فيهم _.
وقالوا: إن هذا الجيل هو أول من وجّه إليه التحدى، وهذا لا شك فيه، وإن كان التحدى لا يزال قائمًا فى الأجيال كلها كيوم أن نزل إلى أن ينفخ فى الصور، وإن كانوا أجمعوا على أن عجز هذا الجيل عن أن يأتى بسورة من مثله حجةٌ على بقية الأجيال، وهذا لا يكون إلا إذا كان أقدر الأجيال على البيان. ولك أن تستخرج ذلك من الكتاب العزيز، مثل قوله تعالى فى سورة هود:   "أَمْ يَقُولُونَ افْتَرَاهُ قُلْ فَأْتُوا بِعَشْرِ سُوَرٍ مِثْلِهِ مُفْتَرَيَاتٍ وَادْعُوا مَنِ اسْتَطَعْتُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ"(هود:13) وموضع الشاهد قوله ": فَإِلَّمْ يَسْتَجِيبُوا لَكُمْ فَاعْلَمُوا أَنَّمَا أُنْزِلَ بِعِلْمِ اللَّهِ"  )هود:14) وأن هذه الفاء رتبت وجوب العلم بأنه كلام الله على عجزهم، ولو كان فى علم الله أنه سيأتى جيل يتفوق عليهم فى البيان لانتقض هذا الترتيب؛ لأنهم إن لم يستجيبوا فقد يستجيب غيرهم.
والذى لا يحتاج إلى برهان فى بلوغ هذا الجيل مرتبة الكمال الإنسانىّ فى البيان هو شعره وبيانه الذى بين أيدينا، ولو أنك من الذين لا يكتفون بأن يقال لهم: الشعر الجاهلىّ ليس فوقه عندنا إلا كلام الله وكلام رسول الله ، وإنما تحاول أن تجد ذلك فى نفسك، يعنى أن تقرأ الشعر الجاهلىّ وشعر العصور التى جاءت بعده، وتحلل وتدرس وتتعرف على سمت البيان، وتحاول أيضًا أن تراجع كلام أصحاب رسول الله  فى خطبهم ورسائلهم، وفيما داخل كلامهم من أحاديث رسول الله  وهم يقدمون لكلامه ، لو حاولت  ذلك وصبرت واجتهدت ستجد أن الشعر الجاهلىّ وبيان هذا الجيل لم ينازعه بيانٌ جاء بعده. وهذا هو الأصل فى طلب العلم، أعنى أن أجد فى نفسى الحقيقة العلمية المكتوبة فى الكتب، ولا أكتفى بترديد ما قاله العلماء وإن كان حقًا وصدقًا، وهذا هو الفرق بين علم تلقته الألسنة وعلم تلقته العقول والقلوب. وقد ذكر الجاحظ أن شيوخ البيان الذين جاءوا بعد هذا الجيل كانوا ينكرون أن يُساموا هذا الجيل، ويقولون: إنما نقول بما سبق إلينا من أعراقهم. وعبد القاهر يقول: إن المعول عليه فى معرفة الإعجاز هو الشعر الجاهلىّ. وأكرر أن الأمة أجمعت على أن كلامهم لا يعلوه كلام إلا كلام الله وكلام رسوله .
وأنبه إلى أن جيل المبعث الذى هو جيل أصحاب رسول الله ، والذى هو أيضًا خير أجيال أهل الأرض، وبيانهم خير بيان أهل الأرض، أقول: هذا الجيل كان نهاية مرحلة من النضج البيانىّ وأولياتها موغلة فى القدم، وهذه الأجيال المتعاقبة التى آخرها جيل المبعث هى التى ارتقت ألسنتها وملكاتها البيانية بهذا اللسان حتى بلغ الذروة التى تكلمنا عليها، والتى أمسك القرآن اللغة عندها، وكان أبو الفتح ابن جنى يوغل فى هذا التاريخ ويأخذه العجب فلا يجد ما يقوله إلا أنها أجيال هيأها الله لهذا اللسان، لتعده لنزول آخر وحى السماء إلى الأرض، كما هيأ له بعد نزول القرآن طبقات من العلماء أحاطوا بهذه الدقائق التى حفظت اللسان كما سأحاول بيانه فى المقالة اللاحقة، وهى مقالة نشأة القول فى الإعجاز.
وكان الشيخ محمود شاكر يرى أن دراسة العصر الجاهلىّ فى غيبة حادثة نزول القرآن المعجز، والتى ليس لها نظير فى تاريخ الأمم، هى دراسة للعصر الجاهلىّ فى غيبة العصر الجاهلىّ.
بقيت مسألة تناهى العلم بمعرفة طبقات الكلام، وهى مرتبطة ارتباطًا وثيقًا بتناهى القدرة على البيان؛ لأن الصفتين متعانقتان فى النفس الإنسانية، وزهير حين كان يُحكك الحولىّ إنما كان يزاول النقد الذى هو معرفة طبقات الكلام، والجاحظ أحد عباقرة هذه الأمة، ومن عبقريته تسمية كتابه «البيان والتبيين»؛ لأن المقصود بالبيان هو القدرة على إنشاء البيان، والمقصود بالتبيين هو القدرة على تحديد طبقته.
وكان  يعلم أن قومه تناهوا فى معرفة أجناس الكلام، وأنهم يعرفون ما تنتهى إليه القدرة الإنسانية وما يأتى بعدها، فلم يلتبس عليهم الكلام الآدمىّ بالكلام الإلهىّ. ويعلم  أيضًا أن هذا العلم عام فى رجالهم ونسائهم وعبيدهم وأحرارهم، وكان لا يزيد فى دعوته إلى دين الله على أن يسمعهم مما أنزله الله عليه، وهو واثق أن هذا الذى يسمع لن يتردد لحظة فى معرفة أنه كلام الله، وقد قال له ربه جل وتقدس:   "وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ" (التوبة:6)
والآية فيها ملمح لطيف؛ لأنها قالت: حتى  يسمع كلام الله، ولم تقل: حتى يسمع ما تتلوه عليه ثم يتدبر ويتيقن أنه كلام الله؛ لأن الله سبحانه يعلم من شأنهم أنهم فور سماعهم ما يتلوه عليهم ــ صلوات الله وسلامه عليه ــ يستيقنون أنه كلام الله.
وقد لفت المرحوم محمود شاكر إلى لفتة بارعة فى هذا الباب لما ذكر أن الله ــ سبحانه وتعالى ــ لما طالبهم أن يأتوا بسورة من مثله، لم ينصب لهم حكمًا من غيرهم يفصل بين ما يأتون به وسورة من القرآن، وإنما جعل ذلك لهم، فكانوا خصمًا وحكمًا؛ لأن الله سبحانه يعلم من شأنهم أنهم لا يخونون الأمانة فى البيان، وهذا ليس نهاية الوعى فحسب، وإنما نهاية الإنصاف أيضًا... هذا والله أعلم.
اضف تعليقك

إرسال تعليق

 
Top