0
عدد المشاهدات:

الإســــلام وحركة التاريخ

أ.د/ محمود سلامة


قبل الحديث عن علاقة الإسلام بالتاريخ، ومدى فاعلية هذا الدين فى حركية الأحداث التاريخية العالمية، ينبغى توضيح بعض المفاهيم التى لها اتصال وثيق بهذا الموضوع وذلك لأهميتها القصوى باعتبارها مفاتيح لمن يريد الولوج إلى توضيح هذه العلاقة. ومن هنا تبرز أهميتها لأنها بمثابة معان لعدة مصطلحات تحتاج إلى إلقاء الضوء عليها. وهذه المفاهيم هى إجابة على الأسئلة التالية: ما هو التاريخ؟ وما هو علم التاريخ، وما المراد بفلسفة التاريخ؟
وللإجابة على السؤال الأول نجد أن التاريخ عبارة عن المجتمع الإنسانى وهو فى حالة الحركة؟ فالمجتمع الإنسانى فى تدافعه وأحداثه وانتصاراته وإخفاقاته والتاريخ بصرف النظر عن انحصار هذا المجتمع فى إقليم جغرافى معين، أو فى فترة زمنية محددة، أو شموله لهذا العالم الأرضى على اتساعه وتنوعه فى الحركية والأهداف . وذلك أن هذا الإنسان سواء على المستوى الفردى أو الجماعى مضطر إلى أن يمارس المهمة التى كلفه بها خالقه وخالق الأرض والسموات أو باختصار مهمة خلافة الله فى الأرض. انطلاقاً من قوله تعالى: «وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ»       (البقرة: 30).
أما علم التاريخ فهو الجهد الذى يبذله المؤرخ أو الباحث فى التاريخ لرصد جزء معين من سلسلة أحداث التاريخ بحيث يكون محددا تحديدا زمنيًا ومكانيًا وذلك بهدف دراسة هذا الجزء المكانى من حيث الأسباب القريبة والبعيدة التى تقف وراء هذا الجزء وذلك للوصول إلى نتائج محددة تكون بمثابة المثال الذى ينبغى على البشر احتذاؤه إن كانت النتائج إيجابية، أو العمل على اجتنابه إذا كانت النتائج سلبية.
وإذا ما انتقلنا إلى الإجابة عن السؤال الأخير الخاص بفلسفة التاريخ، فإننا نجد أنفسنا بإزاء السبب الأوحد الكلى أو الأسباب المتعددة الكلية الشاملة التى تحكم حركة التاريخ بوجه عام، وهنا نجد أنفسنا أمام العامل أو العوامل التى تقف وراء قيام الحضارات العالمية أو انهيارها. فالعثور على هذا العامل الرئيسى أو العوامل الرئيسية التى تتحكم فى قيام الدول والحضارات أو انهيارها وانحلالها. ربما يؤدى إلى تحديد ما ينبغى على المجتمع الإنسانى عامة أن يتوخاها إيجابا وذلك باتباع القوانين والسنن، والوصول إلى السبب أو الأسباب الرئيسية التى تهيئ للرقى والحضارة.
وفى هذا الصدد ينبغى ألا يغيب عن وعينا أن هناك فلاسفة ومفكرين حاولوا الدخول إلى هذا الميدان الخطير ولعل فى مقدمتهم عمقا وثراء العلامة عبدالرحمن ابن خلدون ومن سبقه مثل أوغسطين، ومن لحقه مثل فيكو وهيجل وشبنجلر وتوينبى وكارل ماركس.
أجل إن المقام هنا لا يقتضى استعراض نظريات هؤلاء الفلاسفة فى رصد العامل أو العوامل الرئيسية فى سير حركة التاريخ. وهى فى مجموعها على أية حال اجتهادات بشرية قد تقرب أصحابها إلى درجة الإجادة، أو تبعدهم عنها بعد هذا العرض الموجز لبيان بعض المفاهيم المتصلة بالموضوع وهو علاقة الإسلام بالتاريخ. فإن علينا أن نستقرئ كتاب الإسلام نفسه وسنة النبى صلى الله عليه وسلم فهى التطبيق العملى لما جاء فى القرآن الكريم.
ولكى نصل إلى النتيجة المرجوة فإنه لابد من التعريف بالإسلام أولا. فهل الإسلام هو المتمثل فى دعوة محمد صلى الله عليه وسلم فحسب؟ الإجابة بالطبع  لا، إن الإسلام هو الدين الذى ارتضاه الله للبشرية عموما منذ آدم وإلى أن تقوم الساعة.
وما رسالة سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم إلا آخر حلقة من السلسلة الإلهية التى طلب من العباد أن يدينوا لها بالطاعة والولاء. وهذه الحلقة الأخيرة شملت جميع الحلقات السابقة عليها وأكدتها وهيمنت عليها تاريخيا وجغرافيا، ومن الكلام المعاد أن نستشهد بالقرآن فى هذا السبيل إذ يقول سبحانه:
«شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ»                   (الشورى: 13).
 فبخلق آدم بدأ التاريخ فى حلقات متتابعة، وبدأت بالتالى الحركية التاريخية. وتحدد هذا التاريخ بعنصرين أساسيين هما الإنسان وسعيه فى الأرض لعمارتها، والعنصر الثانى هو المنهج الذى على أساسه يتحرك المجتمع الإنسانى إلى الأمام.
ولا يمكن أن يغيب أى عنصر من هذين العنصرين عن صاحبه إذا أريد لحركة التاريخ أن تسير سيرها الصحيح وخاصة العنصر المنهجى الذى هو التوجيه الإلهى لحركة الإنسان على ظهر هذه الأرض.
وكانت أول إشارة لهذين العنصرين موجهة إلى آدم أبى البشر وحواء قال تعالى:
«قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى (124) قَالَ رَبِّ لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنْتُ بَصِيرًا (125) قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ الْيَوْمَ تُنْسَى»                  (طه: 123-126).
بداية التاريخ إذن تنبئ بمشروع إلهى له جانبان: الإنسان والخالق، الإنسان بسعيه وكده واجتهاده، والخالق بمنهجه الذى يجب على الإنسان اتباعه. فباتباعه ينتفى عن الإنسان الضلال، والشقاء، وباجتنابه يعيش في دنياه فى ضنك، وفى أخراه فى عمى.
غير أن الإنسان بعد آدم ما لبث أن ترك المنهج لعوامل وأسباب منها النسيان وتقليد الآباء والأجداد فانبثقت حلقة جديدة من حلقات التاريخ متمثلة فى رسالة نوح عليه السلام فآمن من آمن وغرق من غرق وهكذا يندفع التاريخ فى خطاه ما بين نجاح وإخفاق وذلك بسبب قرب الإنسان من الخالق أو بعده عنه. وفى كلا الحالتين يكون فعل الخالق حاضراً ماثلا متدخلا فى حركة التاريخ بالإيجاب أوبالسلب وهذا التدخل له طريقان أولهما طريق غير مباشر وثانيهما الطريق المباشر.
وكلا الطريقين مرصودان من خلال القرآن الكريم خاتم رسالات الإسلام.
يذكر القرآن الكريم الطريق غير المباشر لتدخل الله سبحانه فى صنع التاريخ من خلال الإنسان، وذلك بتعداد سنن الله سبحانه الكونية.
وذلك أنه إذا التزم بالمنهج الإلهى تحقق له النجاح وإذا أعرض عنه كان الإخفاق والفشل. ومن أهم الإشارات القرآنية إلى هذه السنن قوله تعالى:
«إِنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الظَّالِمِينَ»    (آل عمران: 140).
ومن الآيات الدالة على التدخل غير المباشر وهو تدخل مستمر لا ينقطع، قوله تعالى:
«وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ»        (النحل: 112)
وقوله: «وَمَا كَانَ رَبُّكَ لِيُهْلِكَ الْقُرَى بِظُلْمٍ وَأَهْلُهَا مُصْلِحُونَ»    (هود: 117)
وقوله تعالى: «وَإِنْ مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا نَحْنُ مُهْلِكُوهَا قَبْلَ يَوْمِ الْقِيَامَةِ أَوْ مُعَذِّبُوهَا عَذَابًا شَدِيدًا كَانَ ذَلِكَ فِي الْكِتَابِ مَسْطُورًا»               (الإسراء: 58)،
وقوله تعالى: «وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا»            (الإسراء: 16)
وقد اختار سبحانه وتعالى المترفين لأنهم الذين نعموا بالغنى مع البطر، فهم لم يشكروا الله على نعمه فكانوا هم الأقرب إلى الفسوق الذى يؤدى إلى التدمير.
ومن الملاحظ أن التدخل الإلهى غير المباشر يشمل ما قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وما بعدها لأن عمل الله فى التاريخ دائم مستمر لا ينقطع.
أما التدخل المباشر فإنه كان قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم، وذلك بتحقيق نصرة أوليائه والبطش بأعدائه وكذلك يقول: «حَتَّى إِذَا اسْتَيْأَسَ الرُّسُلُ وَظَنُّوا أَنَّهُمْ قَدْ كُذِبُوا جَاءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُجِّيَ مَنْ نَشَاءُ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ الْقَوْمِ الْمُجْرِمِينَ»    (يوسف: 110).
وكذلك فإن لله أياما يسفر فيها التدخل المباشر عن نفسه إما بهلاك الأعداء أو بنصرة الأولياء وقد ذكرت عبارة (أيام الله) فى القرآن مرتين.
أولاهما: تشير إلى التدخل المباشر فى سير أحداث التاريخ بالبطش بأعداء الله وبمن رفض منهج الله. والثانية تشير إلى تدخل الله بنصر أوليائه ومن اتبع هداه. الأولى جاءت فى سورة إبراهيم قال تعالى: «وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا أَنْ أَخْرِجْ قَوْمَكَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ وَذَكِّرْهُمْ بِأَيَّامِ اللَّهِ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ»                (إبراهيم: 5)
والثانية فى سورة الجاثية قال تعالى: «قُلْ لِلَّذِينَ آمَنُوا يَغْفِرُوا لِلَّذِينَ لَا يَرْجُونَ أَيَّامَ اللَّهِ لِيَجْزِيَ قَوْمًا بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ»                 (الجاثية: 14).
فإذا كانت الآية الأولى ترصد أيام الله فى الماضى فإن الآية الثانية ترصدها فى المستقبل. وبذلك يكون التاريخ كله قد أصبح مسيطرا عليه ماضيه ومستقبله أما الحاضر فهو عبارة عن فترة اعتبارية غير ثابتة. إن الحاضر دائمًا فى سيلان لا يثبت، فما يعتبر حاضرا لا يلبث فى لحظة أن يصبح ماضيًا.
قد يقول قائل: «إن فى هذا العرض ما يوحى بأن الله هو المسير للتاريخ فى غيبة الإنسان، وبذلك تلوح الجبرية من بين السطور. ويكون القدر سيفًا مسلطًا على رقاب العباد لابد لهم من الخضوع له دون تدخل منهم».
والجواب هنا  على هذا الاعتراض المفترض سهل ويسير فالله سبحانه وتعالى له قوانينه الكونية التى لا شك فيها، ولكن الإنسان قد منحه الله سبحانه وتعالى حرية الإرادة والاختيار دون أن يعلم ماذا يراد به، وقد وضع الله أمامه طريقين طريق الخير وطريق الشر. وأعطاه من الأدوات التى بها يستطيع أن يسلك أحد الطريقين فيترتب على سلوكه أحد الطريقين ما يترتب على ذلك من نتائج وفى كل الأحوال ليس عند الإنسان علم بما أراده الله. والإنسان بهذه المثابة من الوجهة الفطرية حر فى اختيار أحد الطريقين دون سبق علمه بما قدره الله وقضاه. ولذلك رفض الله سبحانه وتعالى احتجاج المشركين بالقدر إذ قال سبحانه وتعالى: «وَقَالَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا عَبَدْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ نَحْنُ وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ فَعَلَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَهَلْ عَلَى الرُّسُلِ إِلَّا الْبَلَاغُ الْمُبِينُ»                                    (النحل: 35).
وقد أكد سبحانه وتعالى رفضه لهذا الاحتجاج بالدليل القاطع إذ قال:
«سَيَقُولُ الَّذِينَ أَشْرَكُوا لَوْ شَاءَ اللَّهُ مَا أَشْرَكْنَا وَلَا آبَاؤُنَا وَلَا حَرَّمْنَا مِنْ شَيْءٍ كَذَلِكَ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ حَتَّى ذَاقُوا بَأْسَنَا قُلْ هَلْ عِنْدَكُمْ مِنْ عِلْمٍ فَتُخْرِجُوهُ لَنَا إِنْ تَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ أَنْتُمْ إِلَّا تَخْرُصُونَ»                                 (الأنعام: 148)
أى فمن الذى أعلمكم قبل أن تدخلوا فى الشرك بأن الله قد أراد بكم هذا الشرك.
إذن فأنتم المسئولون عما بدر منكم من الشرك. وهكذا كل المنحرفين الذين يعلقون انحرافهم على القدر مع أنهم قبل إقدامهم على الانحراف لم يطلعوا على إرادة الله، ولم يعلموا ما إذا كان قد أراد بهم الخير أو الشر وإلا فعليهم أن يرموا بأنفسهم أمام القطار ثم يقولون إن كان الله قد أراد لنا الحياة فسننجوا أو أراد لنا الموت فسنموت ولا يقدم على ذلك أى عاقل.
ولنعد إلى ما كنا فيه من علاقة الإسلام بالتاريخ وليكون التركيز هنا على الفاعلية التى أوجدها الإسلام فى تحريك عجلة التاريخ أى فى جعل الإنسان الذى التزم بمنهج الله يدفع هذه العجلة، ويقف وراء الأحداث المتتابعة كى يحقق التاريخ غايته المنشودة.
وأصبح من الواضح لدينا وحدة الرسالات السماوية المتتابعة منذ آدم إلى محمد عليهم الصلاة والسلام. وقد تبين لنا من خلال القرآن الكريم معالم هذه الوحدة الفاعلة وكذلك من خلال السنة النبوية. وأوضح مثال من السنة فى هذا السياق هو ذلك الحديث الذى رواه أبوهريرة رضى الله عنه عن الرسول صلى الله عليه وسلم ورواه عنه البخارى ومسلم وأحمد وابن حبان والنسائى والحميدى والطبرانى فى معجمه الأوسط يقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «مثلى ومثل الأنبياء قبلى كمثل رجل بنى بيتا فأحسنه وأكمله إلا موضع لبنة من زاوية من زواياه، فجعل الناس يطوفون ويعجبون له، ويقولون: هلا وضعت هذه اللبنة؟ قال: فأنا اللبنة وأنا خاتم النبيين».
وقد تمثلت هذه الوحدة فى إبراهيم عليه السلام وفى ابنه إسحق وحفيده يعقوب والأسباط الذين هم أولاد يعقوب عليهم جميعاً السلام. فماذا قال إبراهيم وابنه وأحفاده؟ يقول الله تعالى عنه وعن أحفاده «وَإِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاهِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَإِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (127) رَبَّنَا وَاجْعَلْنَا مُسْلِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرِّيَّتِنَا أُمَّةً مُسْلِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَلَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ (128) رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (129) وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَإِنَّهُ فِي الْآخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ (130) إِذْ قَالَ لَهُ رَبُّهُ أَسْلِمْ قَالَ أَسْلَمْتُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ (131) وَوَصَّى بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَى لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُمْ مُسْلِمُونَ (132) أَمْ كُنْتُمْ شُهَدَاءَ إِذْ حَضَرَ يَعْقُوبَ الْمَوْتُ إِذْ قَالَ لِبَنِيهِ مَا تَعْبُدُونَ مِنْ بَعْدِي قَالُوا نَعْبُدُ إِلَهَكَ وَإِلَهَ آبَائِكَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ إِلَهًا وَاحِدًا وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ»   
(البقرة: 127-133).
بذلك جاءت رسالة موسى، ورسالة عيسى وما بينهما من أنبياء بنى إسرائيل. وكان المتوقع أن يسير أتباع موسى عليه السلام على نفس المنهج، ولكن الحسد والعنصرية الكامنة فى هؤلاء الأتباع دفعتهم إلى أن يضنوا على البشرية بهذا المنهج الربانى فاحتجبوه لأنفسهم وأغلقوا الباب دون غيرهم، ولم يعملوا على توصيل الشريعة الموسوية إلى سائر الخلق، وبذلك أصبحت ديانتهم ديانة مغلقة عليهم واعتبروا أنفسهم شعب الله المختار، أما من عداهم من سائر الأمم فليسوا مستحقين لخير هذه الشريعة.
وبذلك أخرج أتباع موسى أنفسهم من التاريخ ولم يشتركوا فى صنعه لانحرافهم عن منهج الله الذى حذرهم سبحانه من الانحراف عنه منذ آدم عليه السلام.
وجاء المسيح عيسى بن مريم لكى يعيد بنى إسرائيل إلى الجادة وسماهم الخراف الضالة الذين يحاول إصلاحهم. غير أن المسيحية بدورها تركت التاريخ ليصنعه غيرهم المسيحيين من الأباطرة والملوك وجاء فى دعوتها «دع ما لقيصر لقيصر وما لله لله» فخرجوا أيضا من التاريخ وتركوا لغيرهم هذه المهمة.
ولما جاء محمد صلى الله عليه وسلم بدعوته التى كانت بمثابة المشاركة الفعالة فى مجريات التاريخ، وكانت نتيجة ذلك قيام الحضارة الإسلامية.
وينبغى أن نشير هنا إلى حقيقة مهمة لا ينبغى إغفالها وهى أن رسالة محمد صلى الله عليه وسلم التزمت بالعنوان الرئيسى لمختلف الرسالات السابقة وهو الإسلام كما أن هذه الرسالة أنشأت دولة. وهذه الدولة لم تكن دولة دينية ولا دولة لها دين، ولكن هذه الرسالة قدمت الإسلام على أنه دين وهو فى نفس الوقت دولة. فالدين والدولة وجهان لعملة واحدة.
فإذا نظرت من خلال الدين تجد نفسك أمام الدولة، وإذا نظرت إلى الدولة تجد نفسك أما الدين.
وهذه الملحوظة التى أكملت خطة المشروع الإلهى الذى اختطه الله سبحانه وتعالى قام بتنفيذه الإنسان الملتزم بهذه الخطة ا لإلهية. وبذلك أخذ التاريخ طريقه إلى الكمال وكان الحق واضحًا فى قوله تعالى: «الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا»                                                                       (المائدة: 3).

اضف تعليقك

إرسال تعليق

 
Top