0
عدد المشاهدات:

الإمام الأكبر: المسلم ليس حرًّا في أن يأخذ من الكتاب والسنة ما يتماشى مع هواه ويترك ما لا يتماشى معه


قال فضيلة الإمام الأكبر أ.د/ أحمد الطيب، شيخ الأزهر الشريف: سبق وأن قلنا إن القرآن الكريم قد حسم في آيات واضحة موضوع نهي وتحريم سب الصحابة - رضوان الله عليهم؛ حيث بيَّن فضلهم وقرَّر أن السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار أو جيل التابعين لهم بإحسان، قد "رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ" ثم قال: "وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ" ثم قال: "خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا" ثم قال: ذَٰلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ"- سورة التوبة 100-  ولا يجرؤ بعد هذه الآية إنسان في قلبه ذرة من إيمان بالله وتصديق بكتابه وبرسوله أنْ ينطق بكلمة واحدة تسيء إلى صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم.
وأضاف فضيلته في حديثه اليومي، الذي يذاع في هذا الشهر المبارك على الفضائية المصرية قبيل الإفطار: إن القرآن الكريم لم يتفرد بحسم موضوع تحريم سب الصحابة الكرام، بل إن الأحاديث النبوية الصحيحة صريحة في تحريم سبهم وإهانتهم والإساءة إليهم، قال النبي - صلَّى الله عليه وسلَّم:  "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي فَوَالَّذِي نَفْسِي بِيَدِهِ لَوْ أَنَّ أَحَدَكُمْ أَنْفَقَ مِثْلَ أُحُدٍ ذَهَبًا مَا أَدْرَكَ مُدَّ أَحَدِهِمْ وَلَا نَصِيفَهُ"، وهذا الحديث مرويٌّ في البخاري ومسلم والترمذي ومسند أحمد وأبي داود، وفي معظم كتب السنة، التي نجد فيها أبوابا معنونة باسم "باب وجوب احترام الصحابة والنهي عن سبهم".
وبيَّن فضيلة الإمام الأكبر أنَّ من أصول أهل السنة في هذا الموضوع هو تحريم سب الصحابة تحريما قاطعا وباتًّا، وهذا ما أكد عليه الحديث الشريف من خلال تكرار النهي عن سبهم في قوله: "لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي لَا تَسُبُّوا أَصْحَابِي" فالتأكيد اللفظي جاء لتأكيد هذا المعنى، فكأن الرسول - صلى الله عليه وسلم- يريد أن يثبِّت هذا المبدأ في قلوب المسلمين جميعًا، ويقول لهم: إياكم والاقترابَ من الإساءة إلى صحابة رسول الله - صلى الله عليه وسلم- وما يجب أن يفهمه المتلقي هو أنَّ تفضيل الصحابة لم يكن من قبيل الاستنباط، وإنما جاءت به نصوص من القرآن والسنة، تؤكد أن هؤلاء هم أفضل من الجميع، وبالتالي فإن المسلم مطالب بقبول هذه النصوص واحترام الصحابة - رضوان الله عليهم.
وأوضح فضيلته أن المسلم  ليس حرًّا في أن يأخذ من القرآن الكريم والسنة النبوية ما يتماشى مع هواه ويترك ما لا يتماشى معه؛ وإلا كان ممَّن قال عنهم القرآن الكريم: "أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ"، فمَن يأخذ ببعض آي القرآن ويترك بعضها؛ فهذا هو الذي يؤمن ببعض القرآن ويكفر ببعضه، ويكون استدلاله ساقطًا؛ لأنه سيتطرق إليه النقض والاعتراض، فكيف يُستدل بدليل هو في الأصل منقوض ومعترض عليه؟! والاستدلال لا بد فيه من جمع الآيات كلها في الموضع الذي تتحدث عنه وتفهم على الوجه الصحيح، فلا يمكن أن يُستشهد بقوله تعالى: "فويل للمصلين" دون أن نربطها بالآية بعدها، ويُمنع الناس من الصلاة، إذ لابد أن تتصل الآيات ببعضها.
واختتم فضيلته حديثه بأنَّ تفضيل الصحابة لا يكتسب بالقياس العقلي؛ وهو مَن يفعل أكثر أفضل ممَّن يعمل أقل، ولو كانت الفضائل بالقياس العقلي لكان الذي ينفق مثل جبل أُحُد ذهبا، أفضل بكثير من الصحابي الذي ينفق نصف مده، لكن لما بيَّن النبي - صلى الله عليه وسلم- أن الأمر على عكس منطق العقل، علمنا أن الفضيلة أو العدالة إنما هي من جهة أخرى غير جهة العقل، هذه الجهة هي جهة النص الشرعي أو ما يسمى بالدليل النقلي، المقابل للدليل العقلي، ومِن ثَمَّ فإنهم أفضل المسلمين بالإجماع ويحرم سبهم والاجتراء عليهم بأية صورة من الصور، والذين يجترؤون عليهم لو أعادوا النظر في هذه الآيات الكريمة والأحاديث النبوية وتدبروا هذه المعاني؛ فإنهم سيراجعون أنفسهم ألف مرة قبل أن يطلقوا ألسنتهم في هذا الجيل الذي زكَّاه القرآن الكريم وزكَّاه النبي - صلى الله عليه وسلم.
اضف تعليقك

إرسال تعليق

 
Top