0
عدد المشاهدات:

الإمام الأكبر في حديثه الأسبوعي : المعصومون عند أهل السنة وجمهور الأمة الإسلامية هم الرسل والأنبياء فقط، ولا عصمة لأحد بعدهم

- شخصية سيدنا عمر جمعت بين القوة الشديدة في الحق وبين الرقة الشديدة في موقف الرحمة

يستأنف الإمام الأكبر سلسلة التعريف والدفاع عن صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيقول: "نواصل حديثنا عن صحابة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وفي مقدمتهم الخلفاء الراشدون وسيدتنا أم المؤمنين عائشة -رضي الله عنهم- وبنات النبي –صلى الله عليه وسلم- وزوجاته، وحديثنا سوف يتركز حول الدفاع عن التهم التي وجهت إليهم ظلما وزورا وبهتانا عبر التاريخ، وهذا شيء طبيعي؛ لأن العظماء هكذا، إذ لا يخلو عظيم من حاسد أو حاقد أو شانئ، وكنا قد تحدثنا عن سيدنا أبي بكر الصديق –رضي الله عنه- ونتحدث اليوم عن سيدنا عمر –رضي الله عنه- حيث لا نركز كثيرا على شخصيته أو حياته قبل الإسلام أو بعد الإسلام إلا بالقدر الذي يخدم هذا البرنامج وإنما نركز على الدفاع عنه ورد الشبهات والتهم الباطلة في إطار البحث العلمي النزيه، الذي لا يخرج عن أدب الحوار ولا عن آداب البحث والمناظرة، وإنما هو حوار تقارع فيه الحجة بالحجة.
وأضاف فضيلته في حديثه الذي سيذاع اليوم على الفضائية المصرية: "قاعدتنا الذهبية هو أن المعصومين عندنا أهل السنة والجماعة وجمهور الأمة الإسلامية هم الرسل والأنبياء فقط ولا عصمة لأحد بعدهم، وفي هذا الإطار نحن نتحدث عن عمر بن الخطاب -رضي الله عنه- باعتباره شخصية نادرة بل من أندر النوادر في أفق الإنسانية العظيمة، مشيرًا إلى أنه  عمر بن الخطاب بن نُفيل، والذي يجتمع نسبه مع نسب رسول الله ﷺ في كعب بن لؤي، الأب الثامن أو الجد السابع للنبي ﷺ. وكنية عمر: أبو حفص.. ولقبه الفاروق، وأمه: حنْتمة بنت هشام المخزومية، ابنة عم خالد بن الوليد، وُلِدَ في السنة الثالثة عشرة من ميلاد رسول الله ﷺ، ونشأ في قبيلته قبيلة عدي بن كعب، وهي قبيلة اشتهرت بالعلم والحكمة وحصافة الرأي، حتى انتدبتهم قريش ليكونوا سفراء لها في المفاوضات والمنازعات.. وكانت أحكامهم فيها نافذة على الفريقين، وقد ظهر في هذه القبيلة: زيد بن عمرو بن نُفيل، الذي اعتزل عبادة الأوثان وحرَّم على نفسه شرب الخمر والأكل من الذبائح التي تقدم للأوثان والأصنام، وجرت نشأته على منوال نشأة أبناء قريش في طفولتهم وشبابهم، فشبَّ على حب الفروسية والمضارعة، وكان بطلًا في هذين المجالين يشار إليه بالبنان، وامتاز بتذوق الشعر وسماعه وروايته، وكانت له حوارات طويلة مع كبار الشعراء، وقد امتاز عن أقرانه من شباب قريش بتعلم القراءة والكتابة، ولم تكن قريش تحرص على تعليم أبنائها القراءة والكتابة، حتى قيل: إنه «لم يكن في قريش كلها حين بعث النبي ﷺ غير سبعة عشر رجلًا يقرءون ويكتبون»، وكان عالمًا بأنساب العرب، فصيح القول حسن الكلام، كثير الزواج، كعادة العرب آنذاك، طلبًا الولد أو قضاء للوطر، وقد تزوج بتسع نساء، أنجبن له اثني عشر ولدًا، وإحدى زوجاته: السيدة أم كلثوم ابنة الإمام علي كرَّم الله وجهه، وأنجبت منه: زيدًا الأكبر ورقية.
وتابع فضيلة الإمام الأكبر: كان قوي البنية مرهوب الجناب، وشارك–في الجاهلية- في إيذاء المستضعفين من المسلمين الأوائل، وكان في بداية أمره معارضا لما جاء به النبي -صلي الله عليه وسلم- لكن مع قوته كان رقيق القلب، تدلنا علي ذلك حادثتان في سيرته قبل إسلامه، الحادثة الأولي في قصة إسلامه، حين علم بإسلام أخته فاطمة بن الخطا  ، فضربها ضربة شقت وجهها, فسقطت من يدها صحيفة ( قرآن ) فقال لها: ناولينى هذة الصحيفة فقالت له السيدة فاطمة رضى الله عنها : أنت مشرك نجس اذهب فتوضأ ثم اقرأها , فتوضأ عمر  ثم قرأ الصحيفة وكان أوائل فيها من أوائل سورة طه، فاهتز عمر  ورق قلبه ونسي قوته وشدته وجبروته، وقال: ما هذا بكلام بشر، ثم قال دلوني على محمد‏ -صل الله عليه وسلم- لأشهر إسلامي، فلما سمع خباب بن الأرت قول عمر خرج من البيت، فقال‏:‏ أبشر يا عمر، فإني أرجو أن تكون دعوة الرسول -صلى الله عليه وسلم - لك ليلة الخميس‏:‏ ‏‏اللهم أعز الإسلام بأحد العُمرين: عمر بن الخطاب، وأبي جهل عمرو بن هشام، وذهب وأسلم، والحادثة الثانية تدلنا على أنه -رضي الله عنه- رغم قوته وشدته كان رحيما رقيق القلب، تقول أم عبدالله بنت أبي حثمة: والله إنا لنترحَّل إلى أرض الحبشة، وقد ذهب عامر في بعض حاجاتنا ، إذ أقبل عمر بن الخطاب حتى وقف علي وهو على شركه - قالت ‏‏:‏‏ وكنا نلقى منه البلاء أذى لنا وشدة علينا - قالت ‏‏:‏‏ فقال ‏‏:‏‏ إنه للانطلاق يا أم عبدالله ‏، قالت ‏‏:‏‏ فقلت ‏‏:‏‏ نعم والله، لنخرجن في أرض الله ، آذيتمونا وقهرتمونا ، حتى يجعل الله مخرجا ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فقال‏‏:‏‏ صحبكم الله، ورأيت له رقة لم أكن أراها، ثم انصرف وقد أحزنه - فيما أرى - خروجنا ‏‏.‏‏ قالت ‏‏:‏‏ فجاء عامر بحاجته تلك ، فقلت له ‏‏:‏‏ يا أبا عبدالله ، لو رأيت عمر آنفا ورقته وحزنه علينا ‏‏.‏‏ قال ‏‏:‏‏ أطمعتِ في إسلامه ‏‏؟‏‏ قالت ‏‏:‏‏ قلت ‏‏:‏‏ نعم ؛ قال ‏‏:‏‏ فلا يسلم الذي رأيتِ حتى يسلم حمار الخطاب ؛ قالت ‏‏:‏‏ يأسا منه، لما كان يُرى من غلظته وقسوته عن الإسلام ‏‏.‏‏
وأوضح فضيلته أن حالة الشدة المختلطة بالرأفة عند عمر بن الخطاب -رضي الله عنه-  استمرت معه حتى بعد إسلامه، قال أسلم مولى عمر بن الخطاب: خرجتُ ليلة مع عمر إلى حرة ( وهو المكان الممتلئ بالصخور والذي يصعب المشي عليه ) وأقمنا حتى إذا كنا بصرار فإذا بنار فقال يا أسلم ها هنا ركب قد قصر بهم الليل انطلق بنا إليهم فأتيناهم فإذا امرأة معها صبيان لها وقدر منصوبة على النار وصبيانها يبكون. فقال عمر: السلام عليكم يا أصحاب الضوء (وهذا من أدبه رضي الله عنه فلم يحب إن يقول لهم السلام عليكم يا أهل النار) قالت: وعليك السلام. قال أأدنو؟ قالت: ادن، أو دع، فدنا، فقال: ما بالكم؟ قالت. قصر بنا الليل والبرد، قال: فما بال هؤلاء الصبية يبكون؟ قالت: من الجوع، فقال: وأي شيء على النار؟ قالت: ماء أعللهم به حتى يناموا، فقالت: الله بيننا وبين عمر. فبكى عمر ورجع يهرول إلى دار الدقيق، فأخرج عدلا من دقيق وجراب شحم، وقال: يا أسلم! احمله على ظهري، فقلت:أنا أحمله عنك يا أمير المؤمنين، فقال: أأنت تحمل وزري عني يوم القيامة؟ فحمله على ظهره. وانطلقنا إلى المرأة، فألقى عن ظهره ووضع من الدقيق في القِدْر وألقى عليه من الشحم، وجعل ينفخ تحت القِدْر والدُّخان يتخلَّل لحيته ساعة، ثم أنزلها عن النار، وقال: ائتني بصحفة ( وهو ما يوضع فيه الأكل ) فأتى بها فغرفها ثم تركها بين يدي الصبيان، وقال: كلوا، فأكلوا حتى شبعوا، والمرأة تدعو له وهى لا تعرفه، فلم يزل عندهم حتى نام الصغار، ثم أوصى لهم بنفقة وانصرف، ثم أقبل علي فقال: يا أسلم الجوع الذي أسهرهم وأبكاهم.
ولم تقتصر رحمة عمر رضي الله عنه- ورقته على أبناء دِينِه، بل كان كذلك مع غير المسلمين، روي أن عمر - رضي الله عنه - مَرَّ ببابِ قوم وعليه سائلٌ يسأل، وكان شيخًا ضريرًا، يبدو عليه أنه ذمِّيُّ ،فَضَربَ عمر بِعَضُدِه، وقال: من أي أهل الكتاب أنت؟فقال: يَهودي. فقال: ما ألجأك إلى ما أرى؟ قال: أسألُ الجِزيةَ والحاجةَ والسنَّ. فأخذ عمر بيدهِ، وذهب به إلى منزله، وأعطاه شيئًا مما عنده، ثم أرسل إلى خازنِ بيت المال، وقال له، انظر هذا وضُرباءَهُ، فوالله ما أنصفنا الرجلَ أنْ أكلنا شبيبته، ثُمَّ نَخذِلُه عِند الهَرَم(إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ) التوبة: 60- وهذا من المساكين من أهل الكتاب، ثم رَدَّ عنه الجِزيةَ وعن أمثالِه، كما كان بكاء الصبي يؤرِّقه جدًّا، ويجعله يسرع في صلاته، وهذا يدلُّ على أن شخصية عمر –رضي الله عنه- جمعت بين القوة الشديدة في الحق وبين الرقة الشديدة في موقف الرقة  والرحمة.
واختتم فضيلته حديثه بأن عمر رضي الله عنه اشتهر بصفة العدل، ولقبه النبي –صلى الله عليه وسلم بالفاروق، وأن العقاد عملاق الأدب العربي قد انتهى بعد تمحيص شخصيته –رضي الله عنه- إلى أن نقد عمر بن الخطاب أو تسجيل مؤاخذات أو أخطاء في تاريخه أمر في غاية الصعوبة، ولذلك سمى قصته "عبقرية عمر"، وهذا يرجع إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم:" رأيت فيما يرى النائم كأني على بئر وأرى جميع الناس ، فجاء أبو بكر فنزع ذنوبا أو ذنوبين ، وفيه ضعف والله يغفر له ، ثم جاء عمر ، فاستحالت بيده غربا ، فلم أر عبقريا من الرجال يفري فريه ، حتى ضرب الناس بأعطانهم "يعني لا يستطيع أحد أن يصنع مثلما صنع هذا العظيم عمر بن الخطاب -رضي الله عنه وأرضاه.
 يذكر أن حديث فضيلة الإمام الأكبر شيخ الأزهر الشريف يذاع على الفضائية المصرية عقب نشرة أخبار الساعة الثانية ظهراً من كل يوم جمعة.
اضف تعليقك

إرسال تعليق

 
Top