0
عدد المشاهدات:

الدكتور عباس شومان : التجديد .. سمة من سمات شريعتنا .. ولكن !

ـ هل من التجديد أن نحذف آيات " الجهاد" ونخرج للغزاة بالورود والزغاريد ؟!

ـ الأزهر .. سيقطع كل يد تمتد إلي كتاب الله 

التجديد موجود منذ عصر النبوة .. والطريقة تختلف والغاية واحدة

ـ ترك أحكام الفروع كلها تحتمل الخلاف ..أمر مقصود في شريعتنا

ـ لا يمكن أن يتوقف التجديد في انتظار مجدد بعد مائة عام 

ـ الصحابة رضوان الله عليهم جددوا حتى في علم الميراث

ـ لايخلو عصر من مجددين للناس أمر دينهم

ـ الجمود على المنقولات .. جهل بمراد علماء المسلمين

ـ التجديد ضرورة نحس على إتقان أدواته وعدم التهيب منه

ـ التجديد أتُخذ مطية ومدخلا لهدم الدين وتحقيق مكاسب دنيوية

ـ من يظن أنه ينال من الأزهر بكلمة هنا أو هناك فهو واهم 

ـ العالم كله يقدر ويحترم الأزهري .. ولايهان إلا بمصر 


قال فضيلة الدكتور عباس شومان وكيل الأزهر إن التجديد سمة من سمات شريعتنا لم تنفك عنه في أي وقت ، فالإسلام نفسه دين متجدد حتى في طريقة وصوله للناس ، ولا يمكن أن يأتي التجديد إلا بالاجتهاد ، وحين يقر النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد وسيلة لاستظهار أحكام الفروع فهو يقر التجديد.
جاء ذلك خلال كلمة فضيلته في افتتاح الدورة الثانية لتجديد الخطاب الديني بالجامع الأزهر ، وأضاف د. شومان :
إن التجديد إخوة الإسلام لازمة من لوازم شريعتنا ولا يمكن للشريعة الإسلامية أن تساير حياة الناس ولا أن تحقق متطلباتهم من دون التجديد ولا يمكن أن يتوقف التجديد في عصر من العصور في انتظار مجدد بعد مائة عام، فهي عملية دائمة مستمرة، هذه هي شريعتنا، والتجديد سمة من سماتها ولذلك تركت أحكام الفروع كلها تحتمل الخلاف، هذا مقصود في شريعتنا .
وفيما يلي نص كلمة فضيلة وكيل الأزهر
"الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم.. أما بعد :
فإن هذه الدورة التي نحن بصدد استئنافها هي مواصلة لدورات التجديد للفكر الديني التي يعقدها الأزهر الشريف، وإنه من نافلة القول أن أبلغكم تحيات فضيلة الإمام الأكبر الأستاذ الدكتور أحمد الطيب شيخ الأزهر، فهو يشد علي أيديكم ويوصيكم بالفهم الصحيح لمعنى التجديد في الفكر الديني، وإتقان مؤهلات المجدد، وكيفية التجديد، والفرق بين التجديد والتبديد.
وحين نستعرض أقوال العلماء في تاريخ التجديد والمجددين نجد أنهم يتفقون أنه كان على رأس المائة الأولى سيدنا عمر بن عبد العزيز الذي ملأ الأرض عدلا، حتى عم الرخاء والأمن بين الناس، فكانت الذئاب ترعى قرب الغنم ولا تعتدي عليها، وحين سُئل عن ذلك وكان فقيها مجددا، قال أصلحت ما بيني وبين خالقي، فأصلح الله ما بين الذئب والغنم. ويتفق العلماء كذلك أنه كان على رأس المائة الثانية الإمام المجدد محمد بن إدريس الشافعي صاحب المذهب المعروف، لكنهم يختلفون بعد ذلك هل كان على رأس كل مائة عام عالم واحد مجدد أم أنه كان تجديدا جماعيا، حتى انتهى التجديد في العصور الحديثة إلى الإمام محمد عبده والشيخ شلتوت، وغيرهما من المشايخ الأفذاذ الذين جددوا في الدين ونهضوا برسالة الإسلام.
وبعيدا عن هذا الاستعراض التاريخي، وما وقع فيه من خلاف أو اتفاق، فالحقيقة التي لا مراء فيها والتي لا نملّ من تكرارها، أن التجديد سمة من سمات شريعتنا لم تنفك عنه في أي وقت من أوقاتها، فالإسلام نفسه دين متجدد حتى في طريقة وصوله للناس، فأنتم تعرفون أن الإسلام الذي نحن عليه بأركانه وفرائضه وسننه لم ينزل على الناس دفعة واحدة، وتعلمون أن ركنا واحدا كان هو الإسلام لأكثر من مدة نصف الرسالة التي قضاها النبي صلى الله عليه وسلم تقريبا، وهو أن يقر الناس بالتوحيد بأن يشهدوا أنه لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، كان هذا هو الإسلام ولم تكن هناك صلاة ولا صيام ولا زكاة ولا حج، ثم أخذت تتنزل الأركان، ولذلك فالإسلام انحصر فترة في ركن وبعد فترة في ركنين وبعد فترة في ثلاثة وبعدها في أربعة حتى اكتملت أركان الإسلام، هذه حقيقة لا يمكن أن ينكرها أحد وليست في حاجة إلى أدلة، وهذا تجديد، ولذلك فكل مرحلة نصل إليها لا تغني عن سابقتها، فحين نزلت فريضة الصلاة، أصبح من الإسلام أن يصلي الناس لربهم خمس مرات في اليوم والليلة، وحين فرضت الزكاة أصبح لا يكتمل إسلام الإنسان إلا بأداء الفريضة، والصيام والحج هكذا، ورأينا كيف يتدرج القرآن الكريم في الأمر الواحد كما حدث في تحريم الخمر والربا وبعض العقوبات كالزنا وشرب الخمر، فهذه لم تنزل مرة واحدة كما تعلمون، فالربا تم تحريمه بالتدرج حتى اقتلعته الشريعة من بين الناس، قال تعالى: {وَمَا آتَيْتُمْ مِنْ رِبًا لِيَرْبُوَ فِي أَمْوَالِ النَّاسِ فَلا يَرْبُو عِنْدَ اللَّه وَمَا آَتَيْتُمْ مِّنَ زَكَاةٍ تُرِيْدُوْنَ وَجْهَ الْلَّهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُضْعِفُوْنَ}، فهذه الآية عند العلماء القائلين بالنسخ لا تحريم فيها للربا ولكنها فقط تبين أنه لا فائدة ترجى منه، وأن الزكاة أفضل منه، وهذا تمهيد وتوطئة لتقبل التحريم الآتي، ثم قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}، ففيها تحريم جزئي حيث ضربت مكاسب الربا بتحريم المتضاعف وسكتت عن الفائدة القليلة، ولذا تركه معظمهم بهذه الآية واشتغلوا بالتجارة لأنها أربح، ثم جاء التحريم للقليل كالكثير، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}، وقال أيضا: {وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}، وكذلك الحال في تحريم الخمر؛ حيث قال تعالى في بادئ الأمر: {يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا}، دون تحريم، ثم قال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْرَبُوا الصَّلَاةَ وَأَنْتُمْ سُكَارَىٰ حَتَّىٰ تَعْلَمُوا مَا تَقُولُونَ}، وهنا تحريم جزئي يرتبط بأوقات الصلاة، ثم كان التحريم النهائي في قوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}, وهكذا تعايش الناس في الإسلام وهم على أمور لو بقيت بيننا الآن لرأيناها من الضلال المبين، فهم مسلمون وبعضهم يشرب الخمر، ولا ينكر عليه، حتى كانت تذهب بعقول الناس في الصلاة، لأنهم لم يستعدوا بعد لتقبل حكم الخمر النهائي.. كانوا من المسلمين ويتعاملون بالربا حتى قضى عليه الإسلام بعد عدة مراحل؛ حيث درَّبهم وترفق بهم حتى قضى على الخمر من بين الناس ونفرته نفوس المؤمنين الذين آمنوا بالله ربًّا وبمحمد صلى الله عليه وسلم نبيا ورسولا، وهذا من التجديد.
كما رأينا في زمن النبي صلى الله عليه وسلم كيف نُسخت أحكام وجيء بأحكام أخرى في فترة قصيرة من عمر الناس، أقل من ربع قرن من الزمان إذا نظرنا إلى أحكام كثيرة تبدلت في حياة النبي صلى الله عليه وسلم، ربما ذكرنا بعضا منها في لقاءات سابقة، حيث قلنا إنه في البداية كان ينهى رسولنا صلى الله عليه وسلم الناس عن كتابة السنة فكان يقول: (لا تكتبوا عني غير القرآن، ومن كتب عني شيئا غير القرآن فليمحه)، وإنما فعل ذلك خشية أن يختلط القرآن بالسنة، حيث لم تكن الكتابة في كتب مستقلة كأيامنا، وإنما كانت على جريد النخل والرقاع من الجلود وغيرها، وحين اطمأن إلى قدرة صحابته رضوان الله عليهم وهم أهل فصاحة وبيان على التفريق بين القرآن والسنة أذِن لهم بتدوين السنة لزوال علة المنع، حيث إن الحكم يدور مع علته وجودا وعدما، فالأمر المرفوض أصبح مأذونا فيه، وهذا تجديد.
وقد كان رسولنا صلى الله عليه وسلم ينهى عن زيارة القبور؛ لأنهم قبل الإسلام كانوا يقدسونها ويطوفون حولها، وربما كانوا يقدسون الميت الذي قُبر فيها، ويعتبرون أن التوسل إليه والدعاء له ينفعهم، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن زيارة القبور بداية، وحين اطمأن إلى ترسخ العقيدة في أذهان أتباعه أذِن لهم بزيارة القبور لأنها تذكرة بالآخرة، فقال صلى الله عليه وسلم: (كنت نهيتكم عن زيارة القبور ألا فزوروها فإنها تذكر بالآخرة)، وغير ذلك من الأحكام التي تدرج القرآن والسنة فيها، ومن ذلك نكاح المتعة حتى استقر في النهاية على التحريم النهائي، وما ذلك إلا مراعاة للدواعي والظروف والتدرج للوصول للأحكام النهائية، وكان هذا على يد النبي صلى الله عليه وسلم، وهذا من التجديد.
وهناك أمور كثيرة أُقرت فيها قاعدة التجديد، والاجتهاد لازم للتجديد، ولا يمكن أن يأتي التجديد إلا بالاجتهاد، وحين يقر النبي صلى الله عليه وسلم الاجتهاد وسيلة لاستظهار أحكام الفروع فهو يقر التجديد، فحين أرسل سيدنا معاذ بن جبل قاضيا قال له: بِمَ تحكم؟ قال: بكتاب الله. قال: فإن لم تجد؟ قال: فبسنة رسول الله. قال: فإن لم تجد؟ قال أجتهد رأيي. واجتهاد الرأي من التجديد لأن المجتهد يأتي بأحكام ليست في كتاب الله وليست في سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولكنه يقتدي بهما ويتوصل عن طريقهما إلى كيفية استظهار حكم الله في المسألة المعروضة عليه، وهذا من التجديد، ولِمَ لا؟! ألم يعلمنا رسولنا صلى الله عليه وسلم أنه يرسل على رأس كل مائة عام من يجدد لهذه الأمة أمر دينها.. ولاحظوا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال (من)، وهي لا تنحصر في الواحد تحديدا؛ أي يمكن أن يكون في الزمان الواحد أكثر من مجدد، فهي مسألة متواصلة ولذا قال العلماء إنه لم يخلُ عصر قط من مجددين للناس أمر دينهم، وهذا هو إسلامنا.
وإذا كان المؤرخون يبدؤون في التجديد بسيدنا عمر بن عبد العزيز، ففي الحقيقة عصر الصحابة زاخر بالتجديد وفيه كبار المجددين وكان أبرزهم سيدنا عمر رضي الله عنه، فبعد موت النبي صلى الله عليه وسلم كانت من أول المسائل التي جدد فيها الصحابة مسألة الخلافة، ومن يتولى أمرها بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا أمر يحتاج إلى اجتهاد وإلى قدح زناد العقل والفكر وتتبع الشرع حتى انتهوا إلى أحقية الصديق رضي الله عنه بها، ثم من بعده تولى صحابي تلو الآخر الخلافة بأنماط مختلفة لكنها تتفق على أن الحاكم شخص واحد، فطريقة اختيار الصديق رضي الله عنه تختلف عن طريقة اختيار سيدنا عمر وطريقة اختيار سيدنا عمر تختلف عن طريقة اختيار سيدنا عثمان فعلي، وهكذا، فالتجديد موجود والطريقة تختلف والغاية واحدة وهي أن يستقر أمر الناس على حاكم يحكمهم ويضبط لهم أمور الشرع وأمور الحياة، هذا كان في عهد الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين. وهناك صور كثيرة للتجديد في عصر الصحابة رضوان عليهم، من ذلك وقف الصرف إلى المؤلفة قلوبهم و هم منصوص عليهم في كتاب الله حيث لم يتردد سيدنا عمر رضي الله عنه وأرضاه في منع إعطاء المؤلفة قلوبهم في عهد سيدنا أبي بكر الصديق واتفق معه الصديق حين أعلمه بحكمة التشريع مع أن لهم سهما منصوصا عليه في كتاب الله، وهذا يدل على نظرتهم الثاقبة وفهمهم لمرام شرعنا الحنيف، لأن النص قد لا يراد بنصه وقد لا يكون المنصوص عليه موجودا في جميع الأثناء، وإنما يمكن أن يتغير بتغير الأحوال والزمان والمكان، ولذلك اتفق سيدنا عمر رضي الله عنه و الصديق وانعقد الإجماع على وقف إعطاء المؤلفة قلوبهم من مال الزكاة وبقى هذا الحكم إلى يوم الناس هذا، كذلك نجد أن الصحابة رضوان الله عليهم جددوا حتى في علم الميراث، فالصديق رضي الله عنه يشرك الجدتين في سدس واحد، وهذا لم يكن في كتاب الله ولم يرد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم، ونجد أن سيدنا عمر رضي الله عنه يشرك الإخوة الأشقاء مع الإخوة من الأم في الثلث حين لا يتبقى للإخوة الأشقاء شيء، ويجعلهم جميعا كأنهم إخوة لأم، حين مات رجل وترك زوجا وأما وإخوة أشقاء وإخوة لأم، الإخوة الأشقاء في المسألة عصبة كما تعلمون، ولكنه لا يتبقى شيء من التركة لهم حيث إن الزوج نصيبه النصف ونصيب الإخوة لأم الثلث ونصيب الأم السدس فلا يتبقى من التركة للإخوة الأشقاء شيء، وحين ذهب الإخوة الأشقاء إلى سيدنا عمر وقالوا له هَبْ أن أبانا حجرا فألقيناه في اليم ألسنا أبناء أم واحدة أشركهم سيدنا عمر مع الإخوة لأم في الثلث وانعقد على هذا إجماع علماء المسلمين بعده، أليس هذا من التجديد أليس إنشاء سيدنا عمر للدواوين، واعتماد التقويم الهجري، وبناء السجون لحفظ المتهمين لحين الحكم عليهم، وتدرج القضاء إلى درجات في التقاضي وهو ما فعله سيدنا عمر من التجديد، أليس قتل الجماعة بالواحد الذي قال به سيدنا علي كرم الله وجهه وأقسم لو أن أهل صنعاء اليمن اتفقوا واجتمعوا على قتل رجل لقتلتهم به، ويأمر بقتل جماعة اجتمعت على قتل رجل واحد أليس من التجديد هذا كله وغيره كثير كان في عهد الصحابة، هؤلاء هم الذين جلسوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهموا معنى التجديد وكيف يكون وما المراد من الآيات، فهموا مقصد الشريعة الإسلامية حين جاءت بأحكام ثابتة قليلة محصورة، والناظر إلي الأحكام الثابتة في شريعة الإسلام يجد أنها تكاد تجتمع و تنحصر في مجموعة الفرائض وهي أركان الإسلام وبعض المحرمات المحدودة وما بينهما يقبل الاجتهاد من العارفين بكيفية الاجتهاد، ممن فهموا مقاصد الشريعة الإسلامية التي جاءت لحفظ النفس ولذلك اجتهد العلماء ولم يجمدوا عند المنقولات كما ذكر الإمام القرافي رضي الله عنه في كتابه الفروق حيث قال: (إن الجمود على المنقولات أبدا من الضلال في الدين وجهل بمراد علماء المسلمين)، انظروا إلى هذه العبارة، فالجمود على المنقولات أبدا يعني التوقف على حد ما ذكره الفقهاء السابقون والتمسك به في كل العصور ولا يحيدون عنه فيقولون إن فلانا قال كذا فهو الحكم في هذه المسألة، ولذلك قال الإمام القرافي وهو من أعلام المالكية إن الجمود على المنقولات أبدا من الضلال في الدين وجهل بمراد علماء المسلمين. فما بالنا بأناس لا يعرفون مقاصد الشريعة ولا ما قصده علماء المسلمين من الاجتهاد في مسائل ناسبت زمانا معينا وقد لا تناسب أزمنة أخرى، فإياكم أن تجمدوا علي الآراء السابقة وتتوقفوا عندها، إن كانت مما تقبل معاودة النظر والاجتهاد فيها، فكيف يحسن بمن لا يجيدون قراءة التراث ولا يفهمون مراميه في زماننا أن يعيبوا العلماء السابقين ويتطاولوا ويتهجموا عليهم ويصفوهم بالجهل و بالتخلف.
إن التجديد إخوة الإسلام لازمة من لوازم شريعتنا ولا يمكن للشريعة الإسلامية أن تساير حياة الناس ولا أن تحقق متطلباتهم من دون التجديد ولا يمكن أن يتوقف التجديد في عصر من العصور في انتظار مجدد بعد مائة عام، فهي عملية دائمة مستمرة، هذه هي شريعتنا، والتجديد سمة من سماتها ولذلك تركت أحكام الفروع كلها تحتمل الخلاف، هذا مقصود في شريعتنا، فبعض الأحكام جاءت محسومة لا تقبل الخلاف،وهي أركان الإسلام من صلاة وزكاة وصيام وأيضا تحريم الزنا والقتل، هذه الأمور حسمت بكتاب الله لأنها مناسبة لكل زمان ومكان ولا تحتاج إلى معاودة اجتهاد ولا إلى تغيير في الحكم فإنها تناسب سائر الأزمنة،وهناك مسائل كثيرة لا يناسبها أن تجمد عند رأي واحد فجاء النص القرآني والنص النبوي فيها يحتمل الخلاف، من ذلك قول الله تعالى: (فامسحوا برؤوسكم)، هذا النص أفاد حكمين أحدهما قطعي لا يقبل الاجتهاد وهو أن حكم الرأس في الوضوء هو المسح وليس الغسل، فأعضاء الوضوء مغسولة أو ممسوحة، وهذه الآية أفادت علي سبيل الحتم والجزم أن نوع الطهارة المطلوبة في الرأس هو المسح، ولكن مقدار المسح جاء مظنونا في هذه الآية مقصودا ليختلف حوله العلماء ليأتوا بأحكام كثيرة تناسب أحوال الناس، "برؤوسكم" هل الباء زائدة للإلصاق كما قال المالكية فكأنها غير موجودة في الحكم وكأن الآية قالت امسحوا رؤوسكم فيكون الواجب مسح جميع الرأس أو أنها عاملة تفيد التبعيض إذا التصقت بشيء دلت علي بعضه وليس كله،كما قال جمهور العلماء. وحتى من قالوا إنها للتبعيض فما مقدار هذا البعض هل الربع وهل هو من جهة الناصية أو من أي جهة وأي بعض يصدق على مسح الرأس وكل هذا رحمة بالناس وتخفيف عليهم ولكن نحن من جعلناه مشقة وحرجا علي الناس.
وإذا كان النص القرآني احتمل التجديد، فالنص النبوي جاء في كثير من المواضع مظنون الدلالة حتى يحتمل معاودة الاجتهاد، وحتى يستنبط منه العلماء أكثر من حكم في المسألة الواحدة، وكل هذا تيسير علي الناس، فالتجديد لا يحتاج إلي استدلال أو إلي بيان ولا يحتاج إلي أن يختلف الناس حوله ولا يحتاج إلي أن يتهم الناس الأزهر وعلماءه بأنهم ليسوا من المجددين أو من غير القادرين علي التجديد، فمن الذي يجدد إذن من الذي يجدد إن كان علماء الأزهر غير قادرين علي تجديد الفكر الديني هل الذي يجدد هم هؤلاء الذين ينامون النهار ويخرجون على الناس ليلا يخربون الدين ويقولون كلاما ما أنزل الله به من سلطان! هل التجديد هو أن نسمع أن هناك آيات في كتاب الله لا تناسب هذا الزمان وأننا بحاجة إلي حذفها هل هذا فكر يواجه بالفكر! هناك فرق بين من يدعو للتفكر في كتاب الله ، وبين من يطالب الناس بحذف آيات من كتاب الله توارد عليها السابقون عبر العصور وأجمعوا علي أن كتاب الله من أوله لآخره بحروفه وسكناته وحركاته من عند الله، ثم يأتي هؤلاء يطالبون بحذف بعض الآيات فإن لم يحذفها الأزهر فهو ليس مجددا، إذا كان الأمر كذلك فالأزهر بهذا المعنى يعلن أنه سيقف سدا منيعا أمام هذا التجديد المزعوم،وسيحافظ علي كتاب الله عز وجل، وسيقطع كل يد تمتد إليه، هذا هو الأزهر ورسالته حفظ كتاب الله، فماذا لو حذفنا آيات الجهاد من كتاب الله مثلا فجاءنا الغزاة من كل حدب وصوب ولجأنا إلي كتاب الله نستشهد به ضد هؤلاء فما وجدنا فيه إلا قوله تعالى:(ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين) ! هل من التجديد أن نخرج للغزاة بالورود والزغاريد والأطفال والنساء ونردد لهم "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين"، مرحبا بكم غزاة محتلين ! هل هذا هو التجديد ! هل التجديد المطلوب ما يفعله البعض حين يقتطعون الكلام فيأخذون نصف العبارة ثم يصرخون بأصواتهم المنكرة أن هذا هو التشدد في الإسلام، هل هذا يعقل! إن هذا المنهج "اجتزاء النصوص" يمكن أن يستدل به من كتاب الله علي هدم الشريعة من أساسها، أليس في كتاب الله :(لا تقربوا الصلاة) أليس في كتاب الله :(ويل للمصلين) إذا كان الاستشهاد هكذا أن تأخذ كلمة أو كلمتين ثم تصرخ حولهما ساعة وساعتين، فهذا التجديد لا يعرفه الأزهر ولا يرتضيه علماؤه، إذا أردت أن تستدل فلتذكر النص كاملا، ولا تفعل مثل داعش وتقول:( قاتلوا المشركين كافة )، لماذا لا تكمل الآية فتقول:"كما يقاتلونكم كافة"، هذا تخريب و تخريف، لا علاقة له بالتجديد، اذكر النص كاملا ثم اصطحب معه المناسبة التي ورد فيها، وإلا فلماذا ألف العلماء في أسباب النزول حتى كاد يصبح علما مستقلا لأهميته وكان عبد الله بن عباس يباهي ويتحدث بنعمة الله عليه ويقول " ما من آية في كتاب الله إلا وأعلم فيمن وأين ومتى أنزلت"، ولذلك كان حبر الأمة هو أكثر الناس معرفة بتفسير آيات الله لأنه يعرف أسباب نزولها ووقتها فهو أقدر الناس علي فهم المراد منها، أما هؤلاء المدعون فانفصلوا عن سياق الآية وانفصلوا عن سياق الحديث، وجاءوا بآيات القتال وكأنها نزلت لنستخدمها ضد غير المسلمين المقيمين معنا في بلادنا، أو ضد دول غير مسلمة لا تناصبنا العداء، ونحن إذا وضعنا هذه الآيات الآمرة بالقتال في مواجهة هؤلاء كان إسلامنا عنيفا وحاشا لله أن يكون كذلك، لكن حين نأتي بهذه الآيات ونستحضر سياقها وكيف ومتى أنزلت، ونستحضر أقوال العلماء الآمرة بالانخراط في صفوف المجاهدين، ونستحضر الغزوات التي جاءت لبلاد المسلمين لتهلكهم نراها معقولة ونراها مناسبة، وحين يأتي هؤلاء المدعون بنص في كتاب لا يدرس في معاهد الأزهر الشريف ويزعمون كذبا وافتراء أنه هو الكتاب الذي يدرسه الطلاب في الأزهر ثم يجتزئون فقرة ويقولون هكذا يعلم الأزهر أبناءه أن الجهاد فرض علي كل حر بالغ عاقل قادر علي حمل السلاح.. أليس هذا ما يفعله داعش وغيره حيث يعلمون الأطفال أن الجهاد فرض عين أقول لهذا المدعي هل رأيت العبارة وموردها ومتى قيلت هل سمعت عن التتار حين جاءوا ليأكلوا اليابس والأخضر هل سمعت عن التراث الذي ألقي في النهر ، هل سمعت عن بطون النساء التي بقرت والأطفال الذين قتلوا إذا كان هذا ثابتا تاريخيا أفلا يكون الجهاد فرض عين علي كل مسلم ومسلمة وطفل وكبير وشيخ وكل من كان قادرا على فعل شيء، أم أن علينا أن نقول لهم "ادخلوا مصر إن شاء الله آمنين".
إخوة الإسلام لابد من معرفة الشروط الواجب توافرها في المجدد، فللأسف الشديد كل من لا يجد عملا الآن يجنح إلي التجديد ويرفع رايته، إذا رأيت محاميا لا يجد قضايا ولا تعرف له قضية برع فيها تراه (المفكر الإسلامي الكبير)، ويخوض في كتاب الله وفي سنة رسول الله صلي الله عليه وسلم، وإذا رأيت طبيبا نضبت عيادته وفشل في مهنته سن أسنانه على الأزهر وهاجم الدين، فهل يظن هؤلاء أنهم ينالون بفعلهم هذا من الأزهر الذي بقي أكثر من ألف عام ينشر الإسلام الصحيح بين الناس ويتصدى لأمثال هؤلاء المخربين، من ظن أنه ينال من الأزهر بكلمة هنا أو كلمة هناك فهو واهم وعليه أن يراجع نفسه، فعلماء الأزهر يجددون ولكن وفق منهج وضوابط، فهل يعرف هؤلاء (المفكرون الإسلاميون الكبار ) مجموعة العلوم الشرعية هل يستطيعون التفرقة بين الفقه وأصوله وبين القواعد الشرعية والقواعد الأصولية أريدكم أن تسألوا واحدا منهم عن أركان القياس وعن معني التنصيص علي العلة التي ظل شيخنا أبو النور زهير رحمة الله عليه يشرحها أسابيع طويلة وهو على فراش الموت في بيته، فاسألوهم ماذا تعنى كلمة التنصيص على العلة أو معنى القياس فضلا عن أركانه وشروطه وضوابطه والأمور التي تشترط في الأصل والفرع وفى العلة فإن أجابوا فهم من المجددين، وإذا عرفوا مفهوم المخالفة ومفهوم الموافقة والمجمل والمفصل والخاص والعام والظاهر والمؤول والنص فهم من المجددين، لكنهم للأسف لا يعرفون إلا أن ما عليه الأزهر هو الخطأ وأن ما يقولونه من الضلال هو التجديد.
التجديد ضرورة نحس على إتقان أدواته و اكتساب الإقدام عليه وعدم التهيب منه للحفاظ على شريعتنا من الجمود، فكثير من المسائل التي وردت عن السابقين في حاجة لإعادة نظر بدلا من أن ندفن رؤوسنا في الرمال، فحين يقولون كيف يقول الفقهاء إن نفقة علاج الزوجة ليست واجبة على زوجها لا يجب أن نتلعثم وهو رأى كثير من الجمهور، لكن ارجعوا إلى حالهم حين قالوا بذلك فلم يكن العلاج في ذاته من الواجبات عندهم حتى للشخص نفسه لأن أمراضهم كانت قليلة و حياتهم كانت خشنة صعبة وطعامهم قليلا فأكسبهم ذلك صحة وعافية ولم تعرف في زمانهم هذه الأمراض التي تبقى مع الناس ولم يكن الدواء كالدواء الذي نتناوله ولا كالطعام والشراب الذي نتناوله لم يكن هذا في زمانهم بل كان العلاج بالأعشاب ونحوها ليس مكلفا أصلا فلم يروا أنه حاجة أساسية، أما في زماننا فقد تغير الحال وكثرت الأمراض وأصبح العلاج جزءا من الحاجات الحياتية فهو واجب على الأزواج، وهذا قال به بعض الفقهاء قديما ففي كتاب (منح الجليل) للمالكية وفى بعض كتب الحنابلة الذين يقولون عنهم إنهم من المتشددين تقف على أنهم أوجبوا أجرة ونفقة العلاج على الأزواج، هذه هي شريعتنا وحتى لو لم يرد نص فمعاودة الاجتهاد فيها مفتوح ولأهل العلم أن يقولوا بما يناسب زمانهم، وإلا فلماذا قالوا لنا إن الجمود على المنقولات أبدا من الضلال في الدين وجهل بمراد علماء المسلمين، فإذا جمدنا عند قولهم هذا وقلنا إن نفقة علاج الزوجة ليست واجبة على الزوج وقعنا فيما حذرونا منه، ألم يقولوا لنا وتركوا لنا في تراثهم أن الفتوى تتغير بتغير الزمان والأحوال والأماكن والأشخاص والدواعي وغيرها هذا ما قالوه لنا حتى لا نقف وننتهي عند حدود ما ذكروا ولكن من كان رافعا راية التجديد فليحقق في نفسه شروط المجددين وليرجع إلى الإمام الغزالي ليرى أنه اشترط في المجدد أن يكون مدركا لمرامي الشريعة الإسلامية وقادرا على استنهاض الظن للنظر فيها وأن يقدم ما من شأنه التقديم وأن يؤخر ما من شأنه التأخير وأن يكون عدلا ثقة بين الناس، فهل ينطبق هذا على (المجددين) في عصرنا؟! أليس حين يتحدث أحدهم عن الدين فهو في ضلال مبين أليس من قلة الحياء أن يتحدث عن التجديد في ركن من أركان الدين من لا يلزم أركانه ولا فرائضه وإنما يستهزئ بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ويتطاول على الفقهاء وعلى التراث ثم يزعم أنه من المفكرين المجددين، أي فكر هذا وأي تجديد ومن العجب أن يتشبث بعضهم ويقول أليس في شروط الحديث عندكم الصحيح والضعيف،أنه ما لم تسترح له النفس فهو ضعيف، نقول لهم نعم ولكن أي نفس هذه؟! بالتأكيد ليست نفسك أيها المدعي، فنفسك لا اعتبار لها، من أنت حتى لا تستريح نفسك لحديث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، من أنت لتصف الإسلام بالدموية، من أنت لتتحدث عن فتح مصر بأنه كان من الاحتلال، أهذا من التجديد إن هذا تخريف وليس تجديدا.
لقد اتخذ التجديد مطية ومدخلا لهدم الدين وتحقيق المكاسب الدنيوية التي سيسألون عنها أمام الله عز وجل، فهل من التجديد ما يقول به بعض من ينتمون إلى فئة العلماء حين يدعون الناس للخروج والتظاهر كلما اقتربت الأعياد الوطنية ليفسدوا على الناس أمنهم ويدفعون الشباب إلى الاقتتال وإراقة مزيد من الدماء، هل هذا يعد من العلماء، وهل من العلماء من يسهرون في القنوات التلفزيونية ويقولون إنه ليس في القرآن دليل على تحريم الخمر مثل المدعي (مصطفى راشد)، وهذا الشخص للأسف مصري يقيم في أستراليا ويتكسب بالعمامة ويدعى أنه مفتى هذا البلد، وقد ذهبت إلى هناك فلم أجد ذكرا لمنصب مفتى أستراليا أصلا، وهذا الرجل يتطاول على مصر وعلى الجيش وعلى شرع الله ويلبس عمامة الأزهر للتدليس على الناس، أهذا من المجددين الطفل الذي يلعب في التراب يستطيع أن يستدل على تحريم الخمر من كتاب الله، فماذا بعد أن يقول عنه شرعنا إنه (رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه)، ألم يفهم هذا أن فعل الأمر يدل على الوجوب وبذلك نكون أمرنا أمرا حقيقيا بترك هذا الأمر المنكر, فكيف يطل علينا هذا المدعي هو وأمثاله ليخوضوا في أحكام شرعنا ويزعموا أنهم من المجددين.
إخوة الإسلام عليكم أن تقوموا بهذه المهمة بأنفسكم لقطع الطريق على غير المؤهلين ولينفض هؤلاء الكاذبين، فارفعوا راية التجديد الحقيقي ولا تتهيبوا البحث عن أحكام المسائل المستجدة لتأتوا بما يناسب الناس وفق منهج حكيم ووفق ما تتعلمونه هنا في هذه الدورات، هذا هو المقصود حتى نقطع الطريق على هؤلاء المخربين وحتى يبقى الأزهر كعبة لطلاب العلم من كافة أنحاء الدنيا ينشر الإسلام والعلم الصحيح فما من موضع على ظهر الأرض إلا وفيه للأزهري احترام كبير أكثر مما يلقاه هنا في مصر للأسف، فالأزهري لا يهان إلا في مصر, أما في البلاد غير المسلمة فإن الأزهري له هيبة وله قيمة لذلك يستغل بعض السفهاء هيئة الأزهري وزيه للتكسب والتدليس على الناس، وهذا نابع من احترام الأزهر وتقديره وأهمية دوره الذي لم ولن يفتر عنه أبدا ما بقي في الناس حياة.
نسأل الله القدير أن يهدي الضالين إلى صراطه المستقيم وأن يعين الأزهر وعلماءه على رفع راية التجديد والتيسير على الناس دون إفراط ولا تفريط إنه على ما يشاء قدير وبالإجابة جدير، وصل اللهم على سيدنا محمد.. والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته."
اضف تعليقك

إرسال تعليق

 
Top