0
عدد المشاهدات:



    رضا عبد السلام.. الإذاعي الذي ألقى إعاقته خلف الميكروفون


    عندما تتحدث عن الإرادة وتحقيق الذات والوصول للأهداف 
    وتحدى الصعاب، يجب أن تذكر اسمًا لمع في سماء إذاعة 
    القرآن الكريم، ووصل إلى قلوب الآلاف من عشاقه، برقة 
    ألفاظه وعذوبة عباراته وقوة مثابرته، إنه رضا عبد السلام 
    كبير المذيعين بإذاعة القرآن الكريم.
    والإذاعي رضا عبد السلام، معاق إعاقة خلقية بالغة، في كلتا 
    يديه، صاحبته منذ مولده، حيث ولد بذراعين ضامرتين ضمورًا 
    حادًّا، إذ يبلغ طول كل ذراع ما يقارب خمسة عشر سنتيمترا 
    تقريبًا، ولكنه رغم إعاقته لم يستسلم لمشاعر اليأس والإحباط 
    فأتقن الكتابة بقدمه وفمه، وأتمَّ حفظ القرآن الكريم كاملا، 
    وتفوق في دراسته، فحصل على ليسانس الحقوق وليسانس 
    الدعوة الإسلامية، ونال درجة الماجستير، ويُعِد الآن للدكتوراه 
    بحسب ما رواه رضا عبد السلام لـ"صوت الأزهر" في هذه 
    السطور..
    كانت البداية الحقيقية لانطلاقة الطفل رضا على يد والده الذي 
    كان يحب التعليم حبًّا شديدًا، وكانت العقبة الكبرى في وجه 
    الوالد هي مسألة الكتابة، فبدأ بتعليم رضا الكتابة بقدمه بدلا من 
    يده، وبعد فترة من التدريب أتقن الطفل الكتابة بقدمه فأخذه 
    والده وتوجه إلى وكيل وزارة التربية والتعليم في محافظة 
    المنوفية فوضع ابنه فوق مكتبه، ثم أعطاه قلما وورقة، فكتب 
    الطفل بقدمه بخط واضح وجميل.
    وهنا توجه الأب للوكيل قائلا: "إما أن تقبل رضا طالبا 
    بالمدرسة، أو أشكوك إلى الرئيس جمال عبد الناصر فإذا لم 
    ينصفني جمال، فسآخذ الولد، وأضربه بالنار في أكبر ميدان في 
    مصر، لأن حرمانه من التعليم يعني بالنسبة لي حرمانه من 
    الحياة".
    دخل رضا المدرسة، ولم تتوقف إبداعاته عند هذا الحدِّ فقد وجد 
    في الفصل أن الكتابة بقدمه مسألة غير عملية وغير مناسبة، 
    فلجأ إلى الكتابة بفمه، وفي الصف الثالث الابتدائي أصبح خطُّه 
    من أجمل الخطوط، وصار يحتل المركز الأول بين زملائه في 
    امتحانات الخط.
    أكمل رضا تعليمه بتفوق ملحوظ في كل مرحلة، والتحق بكلية 
    الحقوق ليتخرج منها لاحقًا وقد أتمَّ حفظ القرآن الكريم، وألمَّ 
    بثقافة إسلامية وحياتية واسعة، أهلته بعد ذلك ليكون مذيعًا 
    متميزًا.
    كرسي الإذاعة
    يحكي الإذاعي الكبير رضا عبد السلام فصول معاناته، من أجل 
    الوصول لكرسي الإذاعة، حيث ذهب للكاتب الراحل عبد الوهاب 
    مطاوع، الذي كان يعمل وقتها في الإذاعة، وقال له: "إنني أتقن 
    اللغة العربية، وحافظ لكتاب الله عز وجل، ولدي من المهارات 
    ما يؤهلني للعمل في المجال الإعلامي".
    وبالفعل تقدم لاختبار أجرته الإذاعة المصرية، لتعيين عدد من 
    المذيعين، ورغم حصوله على المركز الأول بين المتسابقين، إلا 
    إنه فوجئ بهم يعينونه في عمل هامشي، لا علاقة له بالمجال 
    الإذاعي مطلقا، فغضب غضبا شديدًا، وتوجه إلى مكتب مدير 
    الإذاعة وقتها مبديًا اعتراضه، فكانت المفاجأة في رد المدير إذ 
    قال له: "احمد ربنا إنى شغلتك أنت المفروض تشكرني بدل ما 
    تزعل".
    واشتدت ثورة رضا، عندما علم بأن المسؤولين وضعوه في 
    وظيفة إدارية، وذهب إلى رئيس لجنة المذيعين ومقدمي 
    البرامج، وأظهر أمامه بعض المهارات، منها أنه خلع الجاكيت 
    الذي يرتديه وارتداه مرة أخرى، وتوجه نحو الباب المغلق 
    بمغلاق وفتحه وأغلقه، ووضع القلم في فمه وكتب بخط جميل، 
    أدهش من حوله، ثم أمسك به على أنه ميكروفون وحاور 
    المسؤول، الذي اقتنع بكفاءته فكتب عبارة: "يُقبل مذيعًا في 
    إذاعة القرآن الكريم"، ومنذ ذلك مازال صوته العذب، ينساب 
    متسللا إلى قلوب ونفوس الملايين من مستمعي إذاعة القرآن 
    الكريم.
    أذهان المستمعين
    وعلى مدى أكثر من عشرين عامًا، قضاها رضا مذيعًا في إذاعة 
    القرآن الكريم، ارتبط اسمه فى أذهان المستمعين، بشعائر صلاة 
    الفجر وتراويح شهر رمضان، كما شارك في تغطية أكبر 
    مسابقة للقرآن الكريم في دبي، وشعائر الحج وصلاة الفجر من 
    أكبر مساجد القاهرة، وقدَّم العديد من البرامج، ومنها: "بشر 
    الصابرين الخاص بمشاكل المعاقين، مساجد لها تاريخ، وقطوف 
    من السيرة، ومع الصحابة، وأمسيات دينية" وغيرها.
    ومنذ أن عمل رضا عبد السلام بالإذاعة، التزم المصداقية في 
    تناوله للعديد من القضايا الإيمانية، التي لاقت قبولا لدى 
    المستمعين وأصبح له جمهوره ومتابعوه بإذاعة القرآن الكريم، 
    كما ذاع صيته وانتشر في أرجاء المعمورة، عبر صوته العذب 
    الهادر، والذي يحمل في دقائقه جميع مرادفات الإرادة والتحدي، 
    كما قام بتأليف كتابين، أحدهما عن أشهر المعاقين في العالم.. 
    والثاني يحمل عنوان "حياتي".
    رضا خالقه
    كانت العلاقة لا تنقطع مع السماء، حتى رأى الإذاعي الكبير أنه 
    لابد من الشكر لله، على ما أنعم به عليه، فقرر على الفور إقامة 
    مسجد بالقرية ولإتقانه علوم اللغة والبلاغة وفنون الإلقاء، 
    حصل على الإجازة من الأوقاف، ليصبح خطيبًا بالمساجد.
    زواجه وأولاده
    عانى رضا عبد السلام، من رفض أسرة زوجته الاقتران به في 
    بداية الأمر، نظرًا لإعاقته، لكن تصميمه نجح في إتمام الزواج، 
    وأنجب عبد الرحمن وأفنان وهما غير معاقين، ومتفوقان في 
    مراحل الدراسة مثل والدهما.
    وفي هذا الصدد يقول رضا، إن "زواج المعاقين ليس بالأمر 
    السهل، لأن احتمالات الرفض من قبل أهل العروس، أكثر من 
    احتمالات القبول"، ناصحًا غيره من المعاقين، بأن "لا يشعروا 
    أن مجرد الرفض من فتاة هو نهاية الدنيا، عليهم أن يجعلوا 
    الناس، ينظرون إلى ما وراء إعاقتهم، وأنهم أفراد لهم هدف 
    ورؤية في الحياة".
    اضف تعليقك

    إرسال تعليق

     
    Top